حلقة نقاش حول " مستقبل المنطقة في ظل التطورات الجديدة وموقع الإسلاميين فيه"
آذار 02, 2019

حلقة نقاش حول " مستقبل المنطقة في ظل التطورات الجديدة وموقع الإسلاميين فيه"

المنطقة اليوم تشهد حالة غليان وإعادة تشكّل وتعيش ما يُعرف بـ "قوس الأزمات"

محاولات استئصال الاسلاميين رغم استهدافهم على مدار سنوات لم تنجح بل أخذوا المبادرة في بعض الدول

الأمريكي يعمل على تفتيت المنطقة طائفياً وعرقياً وعبر سياسة جدران الدم

الموجة الثورة الجديدة قادمة لا محالة والاسلاميون الأقوى على الإمساك بها

 

نظّم موقع "آفاق نيوز" بالتعاون مع "المنتدى العالمي للوسطية" حلقة نقاش تحت عنوان "مستقبل المنطقة في ضوء التطورات الجديدة وموقع الإسلاميين فيه" في مؤسسة  بيان الدولية يوم الجمعة الواقع في الأول من آذار 2019، وشارك فيها عدد من الباحثين والمهتمين بالشأن الإسلامي وقضايا الحركة الإسلامية والمنطقة.

الحلقة تضمّنت ورقة تمهيدية قدّمها مدير مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، الدكتور محسن صالح، وأدراها الدكتور وائل نجم الذي أكد في مستهلها أن المنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيّراً كبيراً في المشهد العام الذي كان سائداً، وأن الاتجاه الحالي فيها يسير نحو رسم مستقبلها من أكثر من طرف، طارحاً السؤال عن موقع الإسلاميين في هذا المستقبل، خاصة وأن "الربيع العربي" دفع بهم إلى الواجهة من خلال الانتخابات التي جرت في الأقطار التي حصلت فيها ثورات شعبية، وأن الثورات المضادة استهدفتهم بالاستئصال.

من جهته أكد الدكتور محسن صالح أن المنطقة ضخمة وفيها أنظمة سياسية عديدة ومختلفة ومتنوعة، وفيها فلسطين وما تمثله قضيتها، وفيها الإسلاميون على تنوّعهم، وبالتالي فنحن لسنا أمام قالب واحد للمسارات ولا للتقييم ولا للاستنتاجات والتوقعات. لكن على الرغم من ذلك فإن المنطقة فيها كثير من المشتركات كالدين واللغة والعادات والتحديات والمخاطر والتطلعات إضافة إلى المشروع الصهيوني الذي يستهدف الجميع فيها.

الدكتور صالح قال إن ما شهدته المنطقة بعد العام 2011 لم تشهد مثيلاً له منذ مئة عام، وبالتالي فهي اليوم تشهد حالة غليان وتَشَكُّل وإعادة تَشَكُّل وسط  أجندات متعددة ومختلفة ومتداخلة، ووسط مثلث صراع يتمثّل بـ : الشعوب التي تطمح للتغير، والأنظمة التي تحاول الإبقاء على سيطرتها، والقوى الخارجية التي تريد الإفادة من خيرات المنطقة وموقعها. كما أشار إلى أن الأمة تعاني حالياً من حالة استنزاف هائلة، وتأجيج الصراع العرقي والطائفي خاصة في المشرق، فهي تعيش ما يُعرف بـ "قوس الأزمات".

وتطرق الدكتور صالح إلى المسارات الموجودة في المنطقة وإلى وضعها وحالتها، فأشار إلى أن مسار التغيير عند الإسلاميين يعاني من أزمات وملاحقات ومحاولات استئصال، فيما مسار الاعتدال أيضاً يعاني من أزمات، ومسار التسوية السلمية لم يحرز حتى الساعة أي إنجاز، بينما الجانب الإسرائيلي يعاني من أزمات كثيرة منها الديمغرافي ومنها تحدّيات وجود المقاومة في غزة وغير ذلك، في مقابل تحقيق الجانب الإيراني لانتصارات ظرفية في وقت يعاني أيضاً من أزمات حقيقية، والمسار الأمريكي والروسي ليسا بعيدين عن تلك الأزمات. وكل هذه المسارات التي تعاني من هذه الأزمات تعني أن الاسلاميين في المنطقة أمام مجموعة تحدّيات ومخاطر وكذلك فرص.

الدكتور صالح أشار إلى أن أمريكا تعمل على إنهاء الملف الفلسطيني عبر صفقة القرن، ورأس اهتمامها في المنطقة هو الحفاظ على الكيان الإسرائيلي لأنه حجر الزاوية في مشروعها، وكذلك على السيطرة على منابع النفط، وعلى طرق التجارة وخاصة البحرية. وأشار في هذا السياق إلى أن الأمريكي فوّض الروسي في إدارة جزء من الملف السوري، لأن التوجّه الأمريكي للمنطقة هو العمل من أجل تفكيكها طائفياً وعرقياً، وقد استخدم الروسي في هذا المشروع كما استخدم غيره، وأكد في هذا المضمار أن قدرة الروسي أقل بكثير من قدرة الأمريكي إلا أنه أكثر كفاءة في إدارة المرحلة من كفاءة إدارة ترمب.

وبخصوص الدور الصيني رأى الدكتور صالح أن الحديث فيه سابق لأوانه خاصة قبل العام 2030 سوى على المستوى الاقتصادي، لأنه ليس للصين قدرة حالياً على منافسة الأمريكي.

عربياً أشار الدكتور صالح إلى أن المحور السعودي المصري الإماراتي قاد الثورات المضادة ضد "الربيع العربي"، إلا أن هذه الثورة وصلت إلى بداية نهايتها. فهذا المحور فشل في إدارة أزماته وهو الآن يحاول التطبيع مع العدو الإسرائيلي ولذلك جانب سلبي كبير بالنسبة له خلافاً لما يظنه من أن التطبيع سيمنحه فرصة وقدرة جديدة.

وفيما خصّ المحور الإيراني رأى الدكتور صالح أنه نجح في توظيف البيئة الطائفية بما يخدم أجندته، وقد حقق بعض المكاسب واستفاد من تداخل السياسة الأمريكية ولكن كل ذلك أوجد لهم إشكالات حقيقية مع شعوب المنطقة سيدفع ثمنها لاحقاً.

بالنسبة للإسلاميين رأى الدكتور صالح أنهم مستهدفون إقليماً ودولياً وهناك حالة إحباط أصابت قطاعات منهم بسبب الأداء في المرحلة الماضية، كما هناك حالة نزيف حقيقي لهم في بعض دول المنطقة (مصر، العراق، سورية ..) إلا أن رغم كل ذلك فإن محاولة استئصالهم من قبل الأنظمة لم تنجح في أي مكان، وبالتالي فإن ذلك يشكل فرصة حقيقية لهم، خاصة وأنهم فرضوا أنفسهم في بعض المناطق خاصة شمال أفريقيا، وأخذوا زمام المبادرة في أماكن أخرى (الأردن والكويت)، وهم أصحاب القوة الحقيقية في فلسطين (غزة). كما أشار الدكتور صالح إلى أن كثيراً من الإسلاميين أجرى مراجعات، واكتشف أن هناك أزمة على مستوى القيادة، والرؤية، والمنهج والمسار، وتحديد الأولويات.

أما بخصوص السيناريوهات المتوقعة للمنطقة فأورد الدكتور محسن صالح خمسة سيناريوهات تتلخّص بمل يلي :

-       فوضى وتفتيت المنطقة، وقد ضعف هذا السيناريو حالياً.

-       جدران الدم، وهي تعني بقاء منظومة الدول القطرية مع التفتت الداخلي.

-       المصالحات التاريخية بين الأنظمة والشعوب، وهو مستبعد حالياً.

-       انتصار الأنظمة المستبدة، وهو محتمل حالياً لكنه مستبعد على المستوى البعيد.

-       الموجة الثورة الصاعدة والجديدة وهي ستكون أقوى وأعنف.

وخلص الدكتور محسن صالح إلى التأكيد على أن الانفتاح على الآخرين يحتاج ويستوجب توفّر عدة عناصر محصّنة وهي :

-       الهوية

-       البوصلة التي تحدد الاتجاه والحليف والخصم وألخ ...

-       الرؤية الواضحة

-       والمسار الكلي.

كما أشار الدكتور صالح إلى أن الاسلامينن يحتاجون إلى فقه أولويات، وإلى مشروع لا يخجل من أي شيء، وإلى حالة تغيير تدريجي، ويجب أن لا يغيب عن بالهم أنهم كلموا اقتربوا من فلسطين كلما صار هناك صعوبات أكبر في ممارسة الحرية وممارسة الديمقراطية لأن كيان الاحتلال حجز الزاوية في المشروع الأمريكي، وأشار أيضاً إلى أن الاسلاميين فشلوا في اختبار الانتقال من حالة الفرد والمجتمع إلى حالة الدولة وهذا يحتاج إلى مراجعة منهم بهذا الخصوص. وخلص في النهاية إلى اعتبار أن الإسلاميين ما زالوا فاعلين في المشهد، وأن الموجة الثورة القادمة يمكن أن تعيدهم إلى صدارة المشهد لذا يجب أن يخططوا لإدارة تلك المرحلة القادمة مستفيدين من تجربة المرحلة التي مضت.

 

بعد ذلك دار نقاش حول هذه الأفكار والمُمَهِدات التي طرحها الدكتور صالح، فأشار بعض المشاركين إلى ضرورة أن يعمل الاسلاميون على نقد أنفسهم ليستفيدوا من ذلك، وأن لا يتم التعامل في المنطقة من قبل أي طرف على أنه يملك الحقيقة أو الحق المطلق.

طرح بعضهم الآخر سؤالاً عن الكيفية التي سيتعاطى بها الإسلاميون مع إيران، وكذلك مع السعودية، ومع الأنظمة القائمة، وكذلك إلى ضرورة فهم كيفية التعاطي مع تركيا.

حذّر بعضهم من أن التغيير القادم قد يكون بغير النخب الاسلامية بل من خلال نخب مدنية، وأشار إلى إمكانية أن يكون هناك شكل جديد لما يُعرف بالإسلام السياسي أو الحركات الإسلامية كجزء من التغيير. فيما حذّر آخرون من أن يتم وضع الإسلاميين في حالة مواجهة مع شعوبهم. بينما أشار ثالث إلى أن الحركات الاسلامية تحوّلت عند البعض من وسيلة إلى هدف وغاية وهذا شيء خطير.

أشار بعض المشاركين إلى أن المنطقة اليوم أمام ثلاثة محاور: عربي يجمع مصر والسعودية والإمارات وغيرهم وهو مسار يحاول تطبيع علاقاته مع كيان الاحتلال الاسرائيلي، وإيراني معه سورية والعراق ويحاول التوسع في اليمن ولبنان وغيره، وشعوب المنطقة التي أشعلت الثورات وهي مدعومة بحدود معيّنة من بعض الدول كتركيا وقطر وغيرهما، وأن الصراع بين هذه المحاور ما زال قائماً ولم تكتب الغلبة لأي منها فيما الأمريكي والروسي يرعيان ما يجري.

أخيراً خلصت الحلقة إلى أن الاسلاميين لم يتم استئصالهم ولن يتم ذلك، ولكنهم بحاجة إلى إجراء مراجعات لكيفية أداء الدور المتوجب عليهم، مستفيدين من تجربة السنوات الماضية، ولا سيما في مسألة وضوح الرؤية والمسار والانفتاح على بقية المكونات، والتركيز على ضرورة إطلاق المسارات الديمقراطية في المنطقة لا سيما دول طوق فلسطين، كما خلص المشاركون إلى أن مستقبل المنطقة يرسمه أبناؤها المشاركون فيه بشكل أساسي، وأن الموجة الثورية الجديدة قادمة لا محال في ظل الظروف القائمة في أغلب الدول وفي ظل الأزمات التي تيعشها دول الثورات المضادة، وأن هذه الموجة قد تكون أكبر وأعنف، ولذلك يجب التحوّط حتى يتمكّن الاسلاميون من إدارة تلك المرحلة باقتدار ولصالح التغيير المنشود.