طرابلس .. الغلاء يفاقم أزمة سكّان المدينة ويضيّق الخناق عليهم
حزيران 11, 2022

أدّى تفاقم الأزمة المعيشية والحياتة في لبنان إلى ارتفاع نسبة الفقر إلى مستويات لم تكن معروفة أو مشهودة من قبل، كما أدّى إلى زيادة نسبة البطالة بسبب إقفال العديد من الشركات والمؤسسات والمعامل والمصانع أبوابها بسبب ارتفاع سعر المحروقات من ناحية وبدلات النقل والانتقال من ناحية ثانية وخسارة الليرة اللبنانية حوالي 90% من قيمتها من ناحية ثالثة وقد أدّى هذا بدوره إلى زيادة مشكلات الناس من ناحية وإحباطهم من ناحية ثانية ودفع بعضهم إلى ارتكاب جرائم سبّبت فوضى اجتماعية من ناحية ثالثة ناهيك عن ارتفاع نسب الطلاق في المحاكم وتراجع نسب الزواج في ظل وضع اقتصادي صعب ومقبل على المزيد من الصعوبة كما تشي الأنباء.

في مدينة طرابلس شمال لبنان، وهي بالمناسبة تُوصف وتُعد أفقر مدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، تكاد تكون معاناة الناس وأزماتها مضاعفة عن الوضع المتردّي في بقية المناطق اللبنانية. فالغلاء فاحش، وفرص العمل قليلة، والبطالة مرتفة، والفقر حدّث ولا حرج، والأزمة إلى مزيد من التدحرج والازدياد، والطرابلسي بات لا يملك حولاً ولا قوّة أمام ذلك سوى ركوب البحر والمخاطرة بحياته وحياة أبنائه وأسرته بحثاً في الطرف الآخر للشاطىء عن لقمة العيش، عن الاستقرار النفسي، عن الهدوء والكرامة المفقودة، عن كل معاني الانسانية التي كادت أن تنعدم عند المسؤولين الذين يفترض بهم أن يجدوا الحلول ويخرجوا لبنان وليس طرابلس فقط من هذا النفق المظلم. وفي رحلة البحث عن لقمة العيش أو عن الاستقرار والكرامة تغرق مراكب المهاجرين بمن فيها وما عليها وتتحوّل شيئاً فشيئاً إلى شيء من النسيان.

في طرابلس حيث المعاناة يبحث الشاب عن مسكن للإيجار من أجل الانتقال من حياة العزوبية إلى الحياة الزوجية ظنّاً أنّ في ذلك الاستقرار والهدوء فإذا به يجد أنّ أرخض "شقة" للأيجار في أبي سمرا، أو الحدّادين، أو المنكوبين، أو التل أو البحصاص أو التبانة أو بعل محسن أو غيرها لا تقلّ شهرياً عن 250$ فيما راتبه في أحسن الأحوال لا يتخطّى المئة دولار أمريكي! وقد روى لنا ربّ أسرة مكوّنة من خمسة أفراد مع الأب والأم من أبناء المدينة كيف أنّه بحث ليلاً ونهاراً عن منزل للإيجار فلم يجد أقل من هذا المبلغ في أيّ حيّ من أحياء المدينة فيما دخله الشهري مع زوجته لا يكفي لدفع هذا الإيجار! وقد بدت الحيرة عليه ماذا يفعل وكيف يمكن أن يحلّ مشكلته! يبحث عن عمل إضافي؟ وهل ظلّت مؤسسات عاملة في هذا البلد؟ ولو وجد هل يكفيه ما سيتقاضه منها لينتقل من منزله إليها في وقت لامس سعر صفيحة البنزين 700 ألف ليرة؟!

في طرابلس رجل الأمن الذي تقاعد من المؤسسة حديثاً بعد عمل فيها تجاوز 25 عاماً. هو الآن يتقاضى راتباً لا يتعدّى المئة دولار على أحسن تقدير. ولا يمكنه أن يستفيد من تعويض نهاية الخدمة إلا بمبلغ متواضع فرضته المصارف على المودعين. يسأل رجل الأمن هذا : كيف يمكن لي أن أستمر؟ كيف يمكن أن أوفّر الطعام والشراب لأبنائي؟ بحث عن عمل له فوجد أنّ كلفة انتقاله من منزله إلى مكان العمل تفوق مقدار الراتب الذي سيأخذه ففضل البقاء في المنزل والانتظار.

في طرابلس تلك الأم التي لا تطعم أبناءها إلاّ فتات الخبز الجاف الذي يجود به البعض ممن ما زال لديه نخوة وحمية، ومن بقايا ما يأتيها من طعام من أهل الكرم والجود، وتنظر إلى أبنائها الثلاثة ولم يتجاوزوا بعد سن 13 وهم يتضوّرون جوعاً.

في طرابلس كلفة الاشتراك مع مولدات الكهرباء تكاد تكون استنسابية، ولا تخضع لتسعيرة وزارة الطاقة، "واللّي مش معاجبو يدبّر حاله ويروح يشتكي". في طرابلس قيمة الاشتراك بكل أمبير كهرباء 30$ دولاراً شهرياً، ومن أين يأتي الفقراء بهذا الأموال ليعيشوا بكرامة؟!

فصول المعاناة في طرابلس لا تنتهي وهي كثيرة وعديدة ولا تكاد تحصى وتُعد، ولذلك ليس كثيراً أن نسمع أنّ أباً جمع أفراد عائلته وزوجته وباع ما يملك من ممتلكات وركب البحر مخاطراً بهم عساه يجد في الطرف الآخر للشاطىء ما هو أفضل وأحسن. ولكن السؤال الجوهري يبقى أين المسؤولون من أبناء المدينة؟ أين من تداولوا على مناصبها ومكاتبها وكراسيها؟ أين الذين أنفقوا بل بدّدوا الأموال الطائلة على الانتخابات لا ينفقون جزءاً منها على تنمية المدينة واحتضان أهلها عبر توفير فرص العمل لهم بدل دفعهم نحو الهجرة أو الكفر بالدولة وبالمجتمع على حدّ سواء؟! وهل المطلوب أن تُهجّر طرابلس بهذه الطريقة؟ أو تستسلم وتنقاد دون إبداء أيّة رغبة بالحرية والكرامة؟! ترى هل المطلوب لطرابلس أن تكون ضحية جديدة بعد دفعها إلى الفوضى ونشر التسيّب فيها؟!

هذه وغيرها برسم المسؤولين في كل المواقع حتى لا نستيقظ يوماً ونجد أنّ المدينة المُحبّة للسلام قد فقدت السلام.