مسيحيّو لبنان .. بين التحدّيات الوطنية والدور الوطني
كانون الثاني 24, 2021

 

قاطيشا : الدعوة إلى عقد وطني جديد دعوة ملغومة وهروب من الواقع.

داغر : الحل هو بتغيير كل هذه المنظومة الحاكمة

أبو سمرا : الدعوة إلى عقد جديد جاءت نتيجة للعرقلة والمماطلة الحاصلة في تشكيل السلطة

 

تشهد الساحة اللبنانية، حالات من عدم الإستقرار السياسي – الأمني – الإقتصادي – الإجتماعي، التي تمثِّل تحدياً متواصلاً للسلطة القائمة، وبات لبنان أمام العديد من المطبّات والتحديات الخطيرة على الكيان بشكل عام واللبنانيين بشكل خاص، وانعكس التدهور المالي على مستوى معيشة اللبنانيين حيث ارتفعت أسعار السلع والخدمات، وتقلصت قدرة المواطنين الشرائية 80% وفقدت مداخيلهم الكثير من قوتها، وجاءت كورونا بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية اللبنانية، فضلًا عن الأزمة السياسية المستفحلة التي زادت من معاناة الشعب اللبناني، حيث يقف الخلاف السياسي الحاد بين القوى السياسية عقبة أمام أي حلٍّ منشود وأوله تشكيل حكومة من أجل معالجة جدّية للأزمة تتماهى مع مقاربات الخارج للحل.

 

 

التحدّيات الوطنية

تنقسم الأطراف اللبنانية فيما بينها حول الملفات الداخلية والتحديات على المستوى الوطني، وينسحب هذا الانقسام إلى داخل المكوّنات الأساسية اللبنانية، ويسري على الأحزاب المسيحية في لبنان ما يسري على غيرهم من اختلاف وجهات النظر حول التحدّيات الوطنية وسبل مواجهتها والمسؤول المباشر عمّا وصل إليه البلد وما يعيشه من أزمات.

فالتيار الوطني الحر الذي يمثّل الأكثرية المسيحية والكتلة النيابية الأكبر يرى وفق ما أشار إليه المسؤول الإعلامي في التيار نسيم أبو سمرا أن التحديات الوطنية اليوم تأتي على خطين متوازيين، سيادي يتمثل بترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي وخروقات العدو المستمرة على صعيد الجو والبحر والبر، وآخر اقتصادي وهو يعتبر من الأولويات في ظل الانهيار الحاصل في البلد، والذي يتطلب مكافحة الفساد في البداية وحصول التدقيق المالي في حسابات مصرف لبنان والوزارات والمؤسسات.

من جهته يعتبر حزب القوات بحسب ما عبّر عضو تكتل الجمهورية القوية النائب وهبة قاطيشا أن التحديات الوطنية تتمثل في أمرين، الأول والأساسي هو التحدي الصحي والسعي لإنقاذ الوضع الصحي اللبناني وانقاذ اللبنانيين من جائحة كورونا، أما التحدي الثاني فهو سياسي حيث وصلت الدولة إلى حافة الإفلاس مع انهيار الوضع الاقتصادي والمالي والعمل على الخروج من الأزمات التي يعيشها اللبنانيون، وأكّد قاطيشاأن القوات تدعو إلى تشكيل حكومة من مستقلين واختصاصيين، بالإضافة إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة، وقال "لا يمكن الخروج من هذ المأزق طالما "محور الممانعة" هو المتحكم بالأكثرية النيابية والسلطة"، وأضاف "لا يمكن الانقلاب على الديمقراطية إلا بدمقراطية تترجم بالانتخابات والعودة إلى إرادة الشعب"، وبالتالي انتخاب رئيس جديد وحكومة جديدة تنقذ الوضع اللبناني.

ولحزب الكتائب وجهة نظر أخرى فقد اعتبر الأمين العام للحزب سيرج داغر أنّ التحديات الوطنية بلغت مرحلة جعلت لبنان بمصاف الدول الفاشلة، وعزا أسباب ذلك إلى ما سماه "تحالف المافيا والميليشيا"، وقال إن" حزب الله وسلاحه الذي يضرب السيادة بالإضافة إلى انخراطه بالمحاور الإقليمية وتبعيته إلى إيران وتطبيق الأجندة الإيرانية على حساب لبنان وادخال لبنان في صراعات جعلته محاصراً عربيا إقليمياً ودولياً وهو ما أوصل الى حالة عدم الاستقرار التي يعيشها البلد"، أما بالنسبة لما سمّاه "مافيا" فقال داغر: "إنهم يتمثلون بأفرقاء المنظومة الذين شاركوا بالتسوية منذ عام 2016 وحتى اليوم أي منذ انتخاب الرئيس ميشال عون رئيساً للجمهورية".

وأكد داغرعلى أنّ الحل هو بتغيير كل هذه المنظومة الحاكمة، وأي حل أقل من ذلك ليس سوى أدوية مخّدرة لفترات قصيرة وليس حلاً للمشكلة من جذورها، وقال "إن الكتائب تعمل على بناء معارضة واسعة عابرة للمناطق والطوائف هدفها الأساسي تقديم نفسها كبديل عن المنظومة الحاكمة لبناء لبنان جديد بإدارة وأخلاقيات جديدة". ويتفق داغر مع القوات اللبنانية في "أنّ الحلّ يكمن بانتخابات نيابية مبكرة لأنها الطريق الوحيد الى الحل، وفي حال تعذر ذلك فلا بد من تشكيل حكومة مستقلة بالكامل قصيرة الأمد ولديها ثلاث مهام، التحضير لانتخابات نيابية إطلاق ورشة الاصلاحات والمفاوضات مع البنك الدولي.


 

دعوة باسيل إلى مؤتمر تأسيسي

وفيما يتصل بالدعوة التي أطلقها الوزير جبران باسيل لعقد وطني جديد والذي أثار ردود فعل متباينة عند الأفرقاء السياسيين، وقد انقسمت القوى السياسية بين مؤيد ومعارض لهذا الطرح، وكان لافتاً رفض الأحزاب المسيحية لهذا الطرح في وقت ترزح البلاد تحت وطأة خلافات سياسية حادة تحول دون تشكيل حكومة عدا عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ففي وقت يعتبر التيار الحر أن هذه الدعوة جاءت نتيجة للعرقلة والمماطلة الحاصلة في تشكيل السلطة بدءاً من قانون الانتخاب مروراً بانتخاب رئيس الجمهورية وصولاً الى تشكيل الحكومة، ويتطلع إلى نظام وطني علماني يتساوى فيه المواطنون أمام القانون، ويعتمد على الكفاءة وليس الواسطة، وفق ما أشار إليه أبو سمرا، تعتبر القوات في المقابل أن دعوة باسيل ليست في محلّها في ظل الأوضاع الصعبة والمآزق التي يعيشها البلد، واعتبر النائب قاطيشا أنها دعوة ملغومة وهروب من الواقع التي أوصلنا إليه الوزير باسيل وحليفه حزب الله، ووصفها بأنها ذر للرماد بالعيون، وقالقاطيشا : "فليحاور باسيل اللبنانيين أولاً ويتصالح مع القوى السياسية قبل أن يدعو إلى أي حوار"، أمّا بالنسبة لحزب "الكتائب" فقال داغر : " إن هذا المؤتمر شبيه لدعوة حزب الله إلى مؤتمر تأسيسي، مشيراً إلى أن حزب الكتائب يرفض هذه الدعوات التي تكمن خطورتها بإعادة كل الأمور الى الصفر، لكنّه أشار إلى أن الحزب يسعى إلى تطوير النظام نحو اللامركزية والدول المدنية وحياد لبنان ونحو الإصلاح أيضا، وقال "إن المؤتمر الذي سيعيد النظر بتركيبة البلد لا يجب أن يكون مؤلفاً من أفرقاء التسوية الذين يسعون إلى مكتسبات شخصية وحزبية وطائفية، مؤكدا على أن أي تطوّر في النظام لا بدّ أن يأتي أولا من بعد الانتخابات النيابية، بالإضافة إلى وضع السلاح بنداً أولاً على الطاولة، وأن يتم تطوير النظام وليس نسفه وإعادة بنائه، قائلاً " نعم لتطوير النظام على هذه الأسس فقط".

 

 

طرح الفدرالية واتفاق الطائف

وفيما يتعلق بطرح الفدرالية والحفاظ على الطائف تختلف وجهات نظر الأحزاب المسيحية من هذا الموضوع. فالتيار الوطني الحر يعتبر أن هذا الطرح موجود من العام 2015 عندما طرحه الجنرال ميشال عون والذي يقوم أساسا على طرح الدولة المدنية، ويشير أبو سمرا إلى إن التيار يعتبر أن هذا الطرح هو آخر الحلول لعدم سقوط البلد، مؤكداً على أن الفدرالية لا تعني الكونفدرالية، وإنما فدرالية بوطن موحد ونظام موحد ودولة وجيش وعملة واحدة.

وحول اتفاق الطائف أشار أبوسمرا إلى أن التيار مع تطبيق اتفاق الطائف ولكن أمام الوصول إلى الحائط المسدود وعدم التزام الآخرين ومن أسس الاتفاق بتنفيذه فإنه لا بدّ من السعي الى نظام تأسيسي جديد بهدف الإصلاح والتغيير.

في المقابل، يعتبر قاطيشا أن طرح الفدرالية يعني تطويراً للنظام أو ترجمة للطائف، ويشير إلى أن طرح أي نظام جديد في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها اللبنانيون على كافة الأصعدة مرفوضة ولا تجوز، بل إن المطلوب طرح الأخطار التي تهدد اللبنانيين ومعالجتها، واعتبر قاطيشا أنّ الجهة التي تطرح الفدرالية تسعى إلى الهروب من المسؤولية والواقع الحالي وحجب أنظار اللبنانيين عن الأخطار المحدقة بهم، كما أكد قاطيشاعلى ضرورة تطبيق الطائف وتحسين عيوبه بإرادة كل اللبنانيين وليس بقوة السلاح أو في ظل الأزمات، معتبراً أن الأفضلية لدى القوات تشكيل حكومة مستقلين بسرعة تنقذ ما يمكن إنقاذه ومن بعدها إجراء انتخابات نيابية مبكرة تنشل اللبنانيين من الأوضاع المزرية التي يعيشونها.

من جهة حزب الكتائب اعتبر داغر أن معظم الذين يطالبون بالفدرالية يطالبون بها نكاية بالآخرين ويصوّرونها على أنها أمر سيء، ويرى أنها تأتي بخلفية تفاوضية أكثر من ما هي حقيقية لتطوير النظام، وقال إن حزب الكتائب يأمل أن يكون النظام اللبناني لامركزيا يتفق عليه جميع اللبنانيين، وأن يترافق مع الحياد ومجموعة كبيرة من الإصلاحات.


خلاصة القول إن الحالة المتردية التي آلت إليها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية تزيد من حالة التفسخ الاجتماعي وتنذر بكارثة اجتماعية، وإن التحدّيات الجمّة التي يواجهها لبنان في ظل رفض المجتمع الغربي والدول الخليجية توفير الدعم اللازم له، تضع القوى السياسية دون استثناء فيه أمام امتحان صعب يتطلب منهم تخطي الانقسام الداخلي المبني على الطائفية والمذهبية والسعي إلى تحقيق التضامن الوطني وبناء دولة المؤسسات.


ملاحظة : حاول آفاق نيوز الوقوف على رأي تيار المردة من هذه القضايا المطروحة، وحاول التواصل مع أكثر من مسؤول في التيار ولكنّه لم يوفّق بإجابات وردّ، لذا اقتضى التنويه.  

إعداد : ريحانة نجم