أبعد من محكمة وموازنة: تكرار 7 أيار بلا رصاص.
تموز 30, 2019

منير الربيع.

منذ يوم الخميس الفائت، بدأت ملامح التعقيد تطفو أكثر من ملامح إحتمال التسوية في ملف حادثة البساتين – قبر شمون. المبادرات كلها اصطدمت برفض مطلق من رئيس الجمهورية وحلفائه. مبادرة وليد جنبلاط بضم حادثتي الشويفات وقبرشمون إلى ملف قضائي، لتحويلهما معاً إلى المجلس العدلي، في حال موافقة مجلس الوزراء، كانت المبادرة الأخيرة القابلة للحياة بحثاً عن تسوية ومخرج. أما وقد رُفِضت، وحمل رفضها الرئيس نبيه بري إلى إعلان تخوفه من التداعيات، ودفع الرئيس سعد الحريري إلى اعتكاف غير معلن، فإن الأمور عادت إلى نقطة ما دون الصفر.

باسيل هو الهدف!

وصل الوضع في البلاد إلى حدّ التذكر بمرحلة الانقسام العمودي. ووحده البحث عن تسوية جدية سيكون المخرج المتاح لعدم تكريس هذا الانقسام. لكن رئيس الجمهورية ميشال عون، في لقائه رئيس الحكومة سعد الحريري يوم الخميس الفائت إياه، نقل القضية من مكان إلى آخر: أسقط كل ما هو معلن عنه حول الحادثة والخلاف حيالها. فهو اعتبر معركة "المجلس العدلي" ليست معركة النائب طلال أرسلان أو الوزير صالح الغريب وحدهما، بل كان واضحاً في اعتباره أن ما جرى تعرُّضٌ مباشر للوزير جبران باسيل. وهذا هو الأساس بالنسبة إليه: المستهدف هو باسيل وقطع الطريق عليه.

معركة الصلاحيات

هذا الكلام نقل المسألة من مكان إلى آخر أصعب بكثير. وحسب مصادر متابعة، فتح الموقف الرئاسي هذا - معطوفاً على رفض التسويات أو المبادرات كلها - المعركة على الغارب وعلى المخاطر. وأصبح واضحاً أنه لا بد من خوضها، في ظل اصطفاف الرئيس سعد الحريري الكامل إلى جانب وليد جنبلاط.

لا شك أن هناك مساع كثيرة مستمرة للعودة إلى التسوية. ولكن ما زاد الطين بلّة بالنسبة إلى الحريري، هو تعاطي رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل مع الموازنة والمادة 80 فيها. هذا ما دفع الحريري إلى التعبير عن انزعاجه الكبير، وإبداء قرفه مما يجري. صحيح أن عون قد يوقِّع لاحقاً على الموازنة، بعد استخدامه ورقة الموازنة لاستدراج الحريري، لكنه يكون قد أرسى معادلة جديدة: هو الذي يقرر ما يريده، وهو صاحب صلاحية أساسية أبعد من صلاحية رئاسة الحكومة والمجلس النيابي.

المزاج السّنّي

على الرغم من أن عون وباسيل أرادا من موقفهما من الموازنة استدراج الحريري إلى صفهما واستعادته، عبر اللعب على حاجته إليهما وإلى رئاسة الحكومة، إلا أن الأمور قد تخطّت ذلك. فالحريري يجد نفسه محرجاً في ظل محاولات تطويقه. وكلام نائب تيار المستقبل سمير الجسر عن نفاذ الصبر، مؤشر كبير لا بد من التوقف عنده. فالجسر معروف بهدوئه وعدم اتخاذه من قبل أي موقف يحمل هذا النوع من اللغة. وهو لا يمكنه اتخاذ هذا الموقف بلا أدنى تواصل أو تنسيق مع الحريري. أما موقف الرئيس نجيب ميقاتي - منذ "انتفاضته" في جلسة مجلس النواب الأخيرة، والتي تحدث فيها عن التضييق على المؤسسات التابعة مباشرة لرئيس الحكومة، وقوله "لقد طفح الكيل" حيال ذلك، إضافة إلى موقفه الأخير في ما يتعلق بالمادة 80 - فمن شأنه دفع الحريري إلى التشبث أكثر، علماً أن موقف ميقاتي ليس ببعيد من موقف الرئيسين فؤاد السنيورة وتمام سلام. والمواقف هذه كلها ليست بعيدة عن المزاج السنّي العام في لبنان.

لقاء الرؤساء الثلاثة

وقد التقى الحريري رؤساء الحكومة السابقين، الذين بحثوا معه سبل "الصمود لمواجهة كل التجاوزات". وفيما أعلن الرئيس نجيب ميقاتي أن اللقاء كان لإطلاع الحريري على نتائج زيارتهم للسعودية، أكدت مصادر متابعة أن اللقاء أتى لتأكيد الدعم للحريري بمواجهة كل الضغوط التي يتعرض لها. وقد أكدت المصادر أن الحريري ليس بوارد التراجع عن دعم جنبلاط.

الحصار السياسي

صحيح أن الموازنة ستوقع بعد تسوية معينة تقضي بتعليق المادة 80، أو القفز من فوقها، ولكن ذلك سيمثّل ضربة قوية للحريري وموقعه، لأنه دليل على أن منطق الكسر مستمر. وفي وقت تكثّف الاتصالات بحثاً عن مخرج للموازنة، كانت اتصالات أخرى مستمرة بحثاً عن مخرج لحادثة البساتين. ويوم السبت الماضي طُرحت أفكار جديدة، لكنها سرعان  باءت بالفشل، بسبب رفض الطرف الآخر. هذا ما دفع بعض المصادر للتعليق على ما يجري بالقول: "رئيس الجمهورية موقفه واضح، فهو من يريد الإحالة إلى المجلس العدلي، لأنه يرى في ما جرى استهدافاً لباسيل، ولا يتعلق بأرسلان ولا بأي اعتبار درزي".

مصادر أخرى متابعة، تعتبر أن ما يجري في هذا العهد سيء جداً على المستوى السياسي والمؤسساتي. وإذا استمر الوضع على حاله، فإن لبنان يدخل في مرحلة شديدة الخطورة، لجهة التطويع والحصار السياسيين والمؤسساتيين، سلمياً وسياسياً هذه المرّة، بعدما استخدمت وسائل عسكرية في الحصار والتطويع في 7 أيار 2008، لتُقطف ثمارها في اتفاق الدوحة.

الاجتماع مع برّي

الأكيد أن الحريري لا يريد الاصطدام برئيس الجمهورية. وهو يفضّل إبقاء المشكلة مع التيار الوطني الحرّ حصراً. ولذلك، حرص على نواب كتلته بعدم إطلاق مواقف تستهدف الرئيس. يعرف الحريري أنه يتعرّض لضغوط كبيرة، سواء في الموازنة أو في غيرها، وصولاً إلى التلويح له باستعادة تجربة "شهود الزور" التي أطاحت بحكومته. وذلك، لدفعه إلى التراجع عن موقفه المتصلب بدعم جنبلاط. فلا شك أن تراجع الحريري سيمثل انقلاباً كاملاً في لبنان، وتكون قد أُحكمت القبضة بشكل كامل على مفاصل القرار.

الضغط الذي تعرض له الحريري، دفعه إلى زيارة رئيس مجلس النواب نبيه برّي، بعد تسرّب أجواء عن مبادرة جديدة. وحسب ما تكشف مصادر "المدن"، فإن الحريري تشاور مع بري حول إمكان عقد جلسة حكومية قريباً، خصوصاً أنه في حال عدم عقدها ستتعقد الحال السياسية والاقتصادية أكثر. وفي ظل إصرار رئيس الجمهورية وفريقه على أن يكون ملف قبرشمون ملفاً أول على جدول الأعمال، حاول الحريري الوصول مع بري إلى صيغة لعقد الجلسة، ولو جرى طرح الملف على التصويت، طالما أن عدم مروره مضمونة. إذ أن الأصوات ستتوزع 15 مقابل 15.

لكن برّي أجاب الحريري أنه لا يمكن السير بأي قرار من هذا النوع من دون التشاور مع وليد جنبلاط. وخلال اللقاء أجريت اتصالات، للتباحث في الفكرة الجديدة، لكن الحزب الاشتراكي اعتبر أن هناك مستجدات قد طرأت هي التي دفعت الحريري لطرح هذا الخيار أو الفكرة، الأمر الذي يحتاج إلى تواصل مباشر مع الحريري لوضع الأمور في نصابها، خصوصاً أنه كان سابقاً يرفض بشكل قاطع طرح الملف على التصويت، تفادياً لوقوع انقسام على طاولة الحكومة، أو تظهر أي حسابات خاطئة تؤدي إلى كسر أحد الطرفين.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".