أزمة المحروقات وظواهر غريبة في لبنان
تموز 03, 2021

جيرار ديب
أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني أنه عثر على 16 قذيفة صاروخية من نوع "آر بي جي" وخمس قذائف متنوعة، جميعها قديمة وغير معدّة للتفجير، في العاصمة بيروت. وبيان كهذا بات يتكرر في أكثر من منطقة في لبنان، ليس لأهداف تخريبية أمنية، ولا هي أعمال إرهابية بغرض زعزعة الساحة الداخلية، بل هي ظاهرة أصبحت مألوفة عن اللبنانيين.
تتواصل أزمة المحروقات في لبنان، بسبب عدم تسليم الموزّعين محطات الوقود الكميات اللازمة لحاجة السوق وتأخر مصرف لبنان بفتح اعتمادات استيراد البنزين والمازوت، لهذا يتوقع أن تستمر هذه الأزمة حتى تأخذ الدولة قرار رفع الدعم.
تتجه السلطة اللبنانية إلى رفع الدعم عن المحروقات، نتيجة عجز المصرف المركزي عن الاستمرار في سياسة الدعم بسبب الوضع الاقتصادي في لبنان، نتيجة عوامل كثيرة، أبرزها العقوبات على لبنان، بسبب سياسات حزب الله في الانغماس في الساحة الإقليمية. هذا ونحت الدول العربية منحى الدول الغربية، واتخذت القرار بفرض مقاطعة اقتصادية على لبنان.
أما السبب الثاني للأزمة اللبنانية، فتمظهر في عدم تطبيق المصرف المركزي قانون "الكابيتال كونترول" وعدم مصادقة مجلس النواب عليه، ما سمح لكبار المودعين، وأغلبهم من السياسيين والمسؤولين، بتهريب ودائعهم إلى الخارج. هذا ما أدّى إلى انخفاض الاحتياط المركزي بالعملات الصعبة، الأمر الذي أوجد صعوبة في استيراد المواد النفطية.
الكيدية السياسية في الممارسة بين المسؤولين اللبنانيين التي لم تنتج تشكيل حكومة إنقاذية، إضافة إلى العقوبات الدولية المفروضة على لبنان، أحدثتا هذه الأزمات المتوالية التي تدفع لبنان نحو الانهيار الكبير. هذا ما ذكره الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، نائب رئيس الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في زيارته أخيرا إلى بيروت، إذ قال إن الأزمة مرشحة للتصعيد إذا لم تشكّل الحكومة لمحاورة صندوق النقد الدولي، وتحقيق التدقيق الجنائي.
"طوابير الذل"، تلك العبارة التي تتردد يوميًا في تقارير الأخبار في لبنان، لا بل أصبحت على لسان المجتمع الدولي، تلك الظاهرة الجديدة القديمة التي ألفها اللبناني، كلما دخلت البلاد في أزمة سياسية بين مكونات السلطة. تشهد شوارع لبنان العامة والفرعية زحمة سير، سببها ليس قطع الطرقات، كما كان يحصل في تحرّكات "17 تشرين"، بل تلك الطوابير لآلاف السيارات أمام محطات الوقود تنتظر لساعات كي يحين دورها. وقد يصبح مشهد "طوابير الذل" مألوفًا ضمن المشهدية اليومية لحياة المواطن اللبناني، أما المستجد فظاهرة العثور على متفجرات وقنابل وذخائر تكتشف هنا وهناك، في أحياء من بيروت، وقد تنتقل إلى أحياء لبنان كلها، بسبب لجوء اللبناني إلى تخزين هذه المواد السريعة الاشتعال، بجانب تلك المواد المتفجرة، ما أثار الرعب من حدوث الانفجارات، فدفع بهم إلى رمي تلك الذخائر بطريقة عشوائية وغير آمنة في شوارع بيروت وأحيائها.
أعلن مصرف لبنان، في بيان له، أن كميات كبيرة من البنزين والمازوت والغاز المنزلي التي تم استيرادها خلال عام 2021 تمثل زيادة بحدود 10% عن الكميات المستوردة في الفترة عينها من العام 2020. وهذا دليل، بحسب المراقبين، على أن هذه الأرقام تفيد بأن كميات كبيرة من المحروقات يتمّ تهريبها إلى خارج لبنان، فضلًا عن تخزين كمياتٍ أخرى، بغرض جني أرباح مضاعفةٍ بعد رفع الدعم عنها، أو خوفًا من انقطاع تلك المادة بسبب عجز المصرف المركزي عن تأمين الدولار للاستيراد. وفي الحالتين، يشكل تخزين المحروقات في الأحياء السكنية، وتحديدًا في طوابق المباني السفلية والأرضية، كارثة تهدد بحدوث انفجار قد يؤدّي إلى انهيار المباني وموت قاطنيها. لذا أصدر محافظ بيروت مروان عبود تعميمًا يمنع منعًا باتًا تخزين هذه المواد في الأحياء السكنية.
كما أن تخزين تلك المواد القابلة للاشتعال دفع لبنانيين كثيرين إلى التخلّص من الذخائر التي كانوا يحتفظون بها، بعد الحرب الأهلية، أو التي تمّ شراؤها أو توزيعها، ولا سيما في السوق السوداء، بسبب التخوف من انهيار الأمن، بعد تقارير كثيرة تنذر بذلك، فعملية تخزين الوقود والمحروقات دفعت كثيرين إلى التخلص منها، برميها في حاويات النفايات أو زوايا الأحياء. والملفت أن من يرميها هو من يبلغ القوى الأمنية عن عثوره على تلك الذخائر. ولا تستبعد مصادر أمنية أن تزداد تلك التبليغات في ظلّ حاجة اللبناني لتخزين المحروقات، حيث لا أفق في المستقبل القريب يبشّر بحلول لها. كما أنّ التقارير تتحدّث عن أزمة طويلة في هذا الشأن، وخصوصًا أن مصرف لبنان بات أمام خيارات أهونها مرّ، كالدعم من مال المودعين، أو ترك هذه السلع مادة حرّة، ما سيرفع سعر صفيحة البنزين إلى مائتي ألف ليرة، بحسب وزير الطاقة ريمون غجر.
ظواهر غريبة تشهدها الساحة اللبنانية في ظلّ ازدياد أزمة المحروقات، وقد نشهد قريبًا ظواهر جديدة وغير مألوفة عند اللبنانيين. لذا يبقى السؤال الرئيسي، بعد جواب رئيس البلاد ميشال عون على إحدى الصحافيات عن مصير لبنان، هل وصلنا إلى جهنّم؟ أم ينتظرنا الأسوأ، بحسب قول رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط إن ما ينتظرنا هو الأصعب والأسوأ!
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".