أساس الأزمة سياسي.. وليس إقتصادياً!
تموز 05, 2021

صلاح سلام     
عودة لبنان إلى خريطة الإهتمام الدولي، من خلال الدخول الأميركي المباشر على الجهود الفرنسية في معالجة الأزمة اللبنانية من جهة، وعبر الخطاب المدوّي الذي ألقاه االبابا فرنسيس في ختام «يوم التفكير والصلاة من أجل لبنان» في الفاتيكان من جهة ثانية.
تعاطي إدارة الرئيس الأميركي بايدن الجدية مع المبادرات الفرنسية يختلف تماماً، عن أساليب العرقلة التي مارستها إدارة الرئيس السابق ترامب مع الرئيس الفرنسي ماكرون، حيث إقتصر التنسيق والتأييد على التصريحات العلنية، فيما كانت العصي تعرقل الدواليب الفرنسية على الأرض، من خلال العقوبات المفاجئة على بعض السياسيين اللبنانيين، وتركز على إجهاض المساعي الرئاسية الفرنسية.
ويُعتبر الإجتماع الثلاثي الذي ضم وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، ووزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خطوة متقدمة على طريق المتابعة الدولية المستجدة لتطورات الوضع اللبناني البالغ التردي، نظراً لأهمية الدور السعودي في الساحة اللبنانية، على خلفية العلاقات السعودية مع مختلف الأطراف السياسية والطائفية في لبنان.
 الأفكار والإقتراحات التي ناقشها الوزراء الثلاثة تدور حول السبل الكفيلة بمساعدة الشعب اللبناني في الخروج من دوامة الإنهيارات التي أوصلته لها المنظومة السياسية الحالية، وخرائط الطريق المطروحة لتحقيق الإصلاحات السياسية والإقتصادية والمالية، وتمكين الدولة اللبنانية من إستعادة سيادتها وسيطرتها على مختلف المناطق اللبنانية، وتعزيز مرجعيتها الأمنية والإنمائية.
وكان لافتاً توافق الوزيرين الأميركي والفرنسي مع طروحات زميلهما السعودي، الذي إعتبر أن الأزمة في لبنان سياسية أساساً، وسببها السياسات التي إتبعتها الحكومات اللبنانية في السنوات الأخيرة، سواء داخلياً أم خارجياً. حيث ساد الفساد في الداخل وسباق تراكم الثروات بين الساسة اللبنانيين، على حساب خزينة الدولة وماليتها، وأدت السياسة الخارجية في الفترة ذاتها إلى خروج لبنان من الصف العربي، وإنضمامه إلى المحور الإيراني في الإقليم الأمر الذي أدّى إلى إبتعاد الدول الخليجية عنه، ووقف الإستثمارات والمساعدات المالية.
وخلص المجتمعون إلى إعتبار أن أساس الأزمة اللبنانية الخانقة سياسياً وليس إقتصادياً، وبالتالي يجب تصحيح المسار السياسي اللبناني خارجياً، وتنفيذ الإصلاحات الجذرية الموعودة في أسرع وقت ممكن داخلياً.
وليس سراً أن إجتماعات الوزراء الثلاثة بقيت مفتوحة لمتابعة تطورات الأزمة اللبنانية وبعض ملفات المنطقة الساخنة، والإتصالات مستمرة لبلورة خطة مشتركة على ضوء الموقف السعودي من المسائل المطروحة.
وبموازاة هذا الإهتمام الغربي والعربي المستجد بالأزمة اللبنانية، إخترق الفاتيكان الصمت الدولي المُريب حول ما يجري في وطن الأرز، وأطلق البابا فرنسيس صرخة مدوية لمساعدة «الوطن الرسالة» في الخروج من النفق الطويل، والحفاظ على صيغته الفريدة في التعايش بين مختلف الأديان.
«يوم التفكير والصلاة من أجل لبنان» بحضور البطاركة من جميع المذاهب المسيحية، لم تقتصر مناقشاته على ضرورات الحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان والشرق وحسب، بل تطرقت أيضاً إلى أهمية تعزيز تفاعل المسيحيين مع مجتمعاتهم ومواطنيهم من أبناء الديانات الأخرى، بهدف إستعادة الإستقرار في الإقليم، وتغليب ثقافة الإعتدال والإنفتاح والحوار على ما عداها من موجات التطرف والتقوقع ونبذ الآخر. وكلام البابا فرنسيس كان واضحاً ومباشراً في توجيه النقد للسياسيين اللبنانيين وحثّهم على العمل من أجل الوطن وليس من أجل مصالحهم الشخصية والسياسية. كما كان لاذعاً في دعوته الأطراف الخارجية الكف عن إستخدام لبنان ساحة لصراعاتهم وتصفية حساباتهم، على حساب إستقرار وأمن «الوطن الرسالة».
ولكن من المحزن فعلاً أن يُقابل هذا الإهتمام الدولي والفاتيكاني بالمآسي اللبنانية، بمزيد من العجز والرعونة والكيدية من قبل أهل السلطة، الذي من المفترض فيهم أن يكونوا في طليعة المرحبين والمتجاوبين مع مساعي مساعدة الوطن المنكوب، ليس من أجل إخراج شعبهم من جهنم وحسب، بل إيضاً لتسهيل عملية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا وجودهم الشخصي والسياسي في السلطة.
طوابير الإذلال على محطات البنزين مضى عليها أكثر من شهر، ويتزايد يومياً عدد القتلى والجرحى من أجل بضعة ليترات من البنزين، وأهل الحكم يتلهون بمناقشات فارغة لا تسمن ولا تُغني عن جوع.
أسعار الدولار إقتحمت كل السقوف المتوقعة، وتطلق موجات من الأسعار الجنونية، وأصحاب القرار بين عاجز عن التحرك، وآخر فاشل في المعالجة وإدارة دفة الحكم.
العتمة زحفت على البيوت والمؤسسات، وإفتقاد المازوت يهدد بتوقف المستشفيات، وتعريض حياة مئات المرضى للخطر، ولم ترف جفن لمسؤول يدّعي زوراً وبهتاناً، حرصه على «شعب لبنان العظيم».
أما الحديث عن الحكومة العتيدة، فأصبح نكتة سمجة، بعدما تبين أن العناد هو سيد الموقف، وأن الإنكار هو التفكير المسيطر على أهل القرار، وأن التعطيل هو الخيار السائد عند المعرقلين الذين يصرون على الحصول على الثلث المعطل، ولو بقي ثلث البلد فقط على قيد الحياة!
أهل الحكم ليسوا في وادٍ بعيد عن الناس وحسب، بل كأنهم في كوكب آخر لا علاقة لهم بما يجري في عواصم القرار والكواليس الدولية حول تطويق تداعيات الإنهيارات في لبنان!
المصدر: اللواء.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".