أطفال للقتل… أطفال للبيع!
كانون الثاني 03, 2022

رغم تضارب الروايات حول هجوم لقوات التدخل السريع على منزل في بلدة جبلة في محافظة بابل العراقية، فإن الأكيد أن العملية «الأمنية» أدت إلى إبادة عائلة بأكملها مؤلفة من 20 شخصا بينهم 12 طفلا أحدهم رضيع.

يشكّل مقتل الأطفال المذكورين أحد أكبر مظاهر الفظاعة في هذا الهجوم، لكنّ شرح درجة الوحشيّة الحاصلة تستلزم شرح بعض العناصر الأخرى، ومنها، على سبيل المثال، انتشار رواية أن الضابط الذي خطّط للعملية كان زوج ابنة رب العائلة المهاجمة، ورغم انعدام الموازين الهائلة بين القوات المهاجمة والمهجوم عليهم، واستخدام تلك القوات المدافع الرشاشة من فئة 500 ملم (دوشكا) لحصد أرواح العائلة بأكملها، فإن الناطقين باسم الجهات الأمنية، استخدموا، كما هي عادة أجهزة الأمن العربية، تبريرات من قبيل أن الشخص «مطلوب أمنيا» (رغم وجود تقارير تدلّ على أنه مخبر للأجهزة الأمنية) وأنه قام بإطلاق النار على قوات «سوات» المهاجمة فخدش عنصرين منهم، وأنه هو الذي نفذ عملية الإعدام الجماعي بعائلته!

تكشف العملية، بفظاعتها التي تجاوزت الحدود، عن البنود «الاعتيادية» التي تشكل منهاج التغوّل لخليط الأجهزة الأمنية والميليشيات المتنوعة التي تتسلط على العراقيين، ومنها الاستهتار الوحشيّ بالقوانين والحياة البشرية وبالأعراف الأخلاقية التي تعارف عليها الناس منذ آلاف السنين، ومنها عدم الانتقام من الأطفال واستثناؤهم إذا لم تمكن حمايتهم والدفاع عنهم.

يتحمل النظام الحاكم في العراق مسؤولية كبيرة في هذا الشأن كونه يسيطر (أو يدّعي أنه يسيطر) على كامل الجغرافيا العراقية، وهو ما ليس متوفرا في بلدان عربية متشظية عسكريا وسياسيا كحال اليمن وسوريا وليبيا، وتعتبر أوضاع أطفال العراق مرآة للتدهور السياسي والأمني والاقتصادي.

أحد مظاهر هذا التدهور يوضحه تقرير للمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق التي كشفت عن تصاعد جرائم الاتجار بالبشر، مؤكدة حدوث 300 جريمة خلال العام الماضي.

التصاعد في هذه الظاهرة يرتبط بوجود أكثر من 5 ملايين طفل يتيم في العراق، وإذا ربطنا ارتفاع معدلات الفقر، بالاحتقار الفعلي للحياة البشرية الذي تمثّله آليات عمل المنظومة العراقية السياسية والأمنية، والعنف غير القابل للضبط بين أطرافها المتآلفة / المتنازعة (كما حصل في محاولة واحدة من فصائل المنظومة اغتيال رئيس الوزراء بطائرة مسيّرة) نستطيع أن نلمس أسباب تفاقم ظاهرة الاتجار بالأطفال، والبشر عموما، وخاصة الفتيات والنساء، وكذلك تزايد حالات العنف الأسري، والإدمان.

إحدى المفارقات الكبيرة لهذه المنظومة الهائلة العنف أنها، في مواجهة الظواهر المذكورة التي أسهمت في خلقها، تستخدم قوانين شديدة الصرامة، كما هو حال قانون «مكافحة الاتجار بالبشر» الذي تصل أحكامه إلى السجن المؤبد والإعدام في بعض الحالات، وكما هو حال قانون «مكافحة الإرهاب» ففي ظل نظام قائم على تحالف الفساد والعنف والطائفية، تتحوّل تشريعات القانون، عمليا، إلى أدوات سياسية انتقائية ضد الخصوم السياسيين، أو حتى في عمليات انتقام عائلية، كحادثة جبلة الأخيرة، أو عمليات انتقام طائفية، كما حصل في مدينة بلد في محافظة صلاح الدين حين اختطفت قوات «نظامية» 12 شخصا وأعدمتهم انتقاما لعملية حصلت في بلدة مجاورة.

حصول كل ذلك في بلد عربي تحصل فيه انتخابات، وتنطلق فيه، من فترة لأخرى، حراكات شعبية كبيرة، وفيه قوى سياسية وازنة، يشير إلى أن العطب في هذه المنظومة كبير، وإذا كان هناك دور كبير في هذا العطب للنفوذ الإيراني، والانقسامات الطائفية العميقة، وتركة الاستبداد، فهذا يعني أن النخب الحاكمة معطوبة أيضا، وأن النظام السياسي فاشل.

المصدر: القدس العربي.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".