أكثرية «ذات الأسرار»
حزيران 18, 2022

طارق ترشيشي

هي «أكثرية ذات الأسرار» التي أنتجتها الانتخابات النيابية الأخيرة وكانت نتائج انتخابات رئيس المجلس النيابي ونائبه وهيئة مكتب المجلس ورؤساء اللجان النيابية وأعضائها والمقررين، أحد مشاهدها التي ستتكرّر مع كل المناسبات والاستحقاقات طوال ولاية المجلس الجديد.

ومن أسرار هذه «الاكثرية ذات الاسرار» أنّ الاكثرية التي انتخبت الرئيس نبيه بري رئيساً لمجلس النواب لولاية سابعة هي غير الاكثرية التي انتخبت نائبه الياس بوصعب وأمين السر النائب ألان عون. فالاكثرية التي انتخبت بري كان نواب «اللقاء الديموقراطي» في عدادها، لكنّ هؤلاء فوجئوا بالاكثرية المطلقة (65 صوتا) التي انتخبت بوصعب لأنهم كانوا يعتقدون انّ قرارهم بعدم انتخابه سيؤدي الى سقوطه وفوز منافسه غسان سكاف الذي نال 60 صوتاً.

ويقول البعض انّ السرعة التي تكوّنت بها اكثرية بوصعب في الجلسة الانتخابية نفسها أسقطت من يد النواب الجنبلاطيين وآخرين إمكانية ان يلعبوا دور «بيضة القبّان» التي من شأنها ان تميل الى هذا الفريق او ذاك وفقاً لِما ترتأيه مصلحتهم السياسية او الخاصة، لكن انتخاب بوصعب من دون حاجته الى اصواتهم جعلهم يعيدون النظر في الدور الذي يراهنون على ان يكون فعلاً «بيضة القبّان».

وقد استدلّ البعض من واقعة الاكثريات التي انتخبت بري وبوصعب وألان عون على انّ الاكثريات في المجلس الجديد، سواء كانت مطلقة او «سوبر مطلقة»، ستتكوّن في اي وقت يشاء مَن يملك بناصيتها سواء كان قوة سياسية نافذة ووازنة او ائتلافاً من مجموعة كتل وقوى.

فريق آخر من المراقبين يقول انّ استحقاق انتخابات رئاسة المجلس النيابي وكل الطبخة التشريعية اظهرت وجود ثلاث أكثريات نيابية مُطلقة يُمسك رئيس المجلس بناصيتها، وهي: الأكثرية التي انتخبت بري، والاكثرية التي انتخبت بوصعب في مواجهة النائب غسان سكاف، والاكثرية التي انتخبت الان عون في مواجهة النائب «القواتي» زياد حواط.

هذه الاكثريات، يقول قطب نيابي، أظهَرت انّ حساب الحقل لدى بعض القوى السياسية قبل الانتخابات لم ينطبق مع حساب البيدر وان كان المشهد العام للمجلس أوحَى بعد الانتخابات ان لا فريقاً سياسياً منفرداً فاز بالاكثرية على رغم من انّ البعض يخرج من تجربة استحقاق المطبخ التشريعي بانطباع في أنّ أحد اسرار الاكثرية النيابية الجديدة يكمن في كتلتين: تكتل»لبنان القوي» وكتلة نواب «قوى التغيير» معطوفاً عليهما عدد من النواب المستقلين.

وقد أظهرت الوقائع مداورة انّ تكتل «لبنان القوي» يتفلّت بعض اعضائه من قراره المركزي اذا دعت الحاجة في اي وقت لينتخبوا غير ما يشتهي التكتل، والامر نفسه ينطبق على قسم من النواب التغييريين والمستقلين، ما يعني انه كانت لهؤلاء مجتمعين مساهماتهم في النتائج الانتخابية التي جاءت ببرّي الى رئاسة المجلس مجدداً من دون مُنازع، ومَكّنت ابو صعب من الفوز على سكاف مثلما مَكّنت ألان عون من الفوز على حواط.

وفي اعتقاد بعض المعنيين انّ هذا المشهد سينسحب الخميس المقبل على الاستشارات النيابية الملزمة بتسمية الشخصية التي ستكلّف تأليف الحكومة الجديدة، وسيَتظهّر المشهد اكثر في عدد الاصوات التي سينالها من سيكلّف تأليف الحكومة والمُرجّح الى الآن ان يكون رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، إذ انّ الاحتمالات ضئيلة بأن يتفوّق عليه خيار آخر يعمل عليه بعض الكتل والقوى السياسية استباقاً ليوم الاستشارات «الكبير» كما يسمّيه البعض. لكن ما لم يسلّط الضوء عليه الآن هو انّ تَفسّخاً حصل في صفوف بعض القوى السياسية مَشفوعاً بانعدام ثقة واتهامات متبادلة بالمسؤولية عمّا انتهت اليه انتخابات المطبخ التشريعي، ما أعادَ الى الاذهان بعض ما شهدته حقبة المجلس السابق سواء على مستوى العلاقات بين بعض اركان السلطة التي انبثَقت من ذلك المجلس والتي يعرف الجميع ما أدت اليه من نزاعات لا تزال البلاد تعيش تداعياتها السلبية حتى الآن، سواء على مستوى الازمة السياسية او على مستوى الانهيار الكبير المالي والاقتصادي والمعيشي الذي دخلته البلاد منذ خريف 2019 وما زالت فصوله تتوالى الى اليوم.

وفي اعتقاد سياسيين متابعين للواقع الراهن في ظل الاستحقاق الحكومي الماثِل تأسيساً على الاستحقاق النيابي يسخف قول البعض من انّ الحكومة الجديدة ستكون حكومة انتقالية وأن لا داعي للاشتباك حولها، لأنّ واقع الانهيار الكبير الذي يعيشه البلد لم يعد يمنح أحد تَرف الحديث عن مرحلة انتقالية، لأنّ مرحلة الحكومة السابقة والحكومة المنتظرة والحكومات اللاحقة هي كلها مراحل وجودية ومصيرية تفرض على الجميع تحمّل المسؤولية، فالأزمة القائمة هي ازمة مصير بلد وشعب تستدعي معالجات عملية ولا تتحمّل اي انتقالية تعتمد في اوضاع طبيعية او شبه طبيعية.

ويضيف هؤلاء انّ ما أسّسته حكومة ميقاتي هو مَسار يُبنى عليه، سواء أيّده فريق او عارَضه آخر ويمكن تطويره وتعديله من اجل دفع البلاد الى آفاق الانفراج. ويشيرون الى انه لا يمكن ان يستقيم المقام لأيّ فريق يُعارض تكليف هذه الشخصية او تلك ثم يأتي في اليوم التالي ليطالب بالمشاركة في الحكومة الجديدة، وبالتالي الواقع يقول انّ الازمة تهدد الكيان برمّته والأوْلى بالجميع التعاون لمعالجتها اذ لا وقت الآن للتناحر او التحاصص، علماً أنه لم يعد هناك من شيء امام الجميع ليتحاصَصوا عليه سوى تَوزّع المسؤولية فيما بينهم والتعاون بصدق على تحقيق الانقاذ الوطني الشامل.

المصدر: الجمهورية.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".