أوكرانيا والعتب السوري في التخلي الأميركي
آذار 07, 2022

سميرة المسالمة

يطرح التشابه الكبير في مشاهد الدمار المروّعة التي تحدثها آلة الحرب الروسية في أماكن انتشارها، في سورية وأوكرانيا، تساؤلات عديدة عند سوريين كثيرين، حول عدم تشابه ردود الفعل الأميركية - الأوروبية ضد الآلة نفسها والجيش نفسه، والحكومة تحت إمرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يعتلي جنوح طموحه في استعادة مكانة الاتحاد السوفييتي التي أفلتت من يد سابقيه، مهرولاً إلى معركة تصحيح التاريخ، بقوة التدمير النووية الهائلة التي يمتلك أزرارها، ويهدّد باستخدامها وإنهاء بريق الحياة على الأرض في حال تعذّر عليه الانتصار. وفي هذه التساؤلات، أو العتب الذي يصل حد التنديد، إن صح القول، ينطلق السوريون من جهة تصديق مواقف الغرب الإعلامية تجاه قضيتهم السورية، والتغرير بهم أنّهم يقفون إلى جانب ثورتهم، ويدعمون مطالبهم في الحرية وإنهاء عهد استبدادي أمني امتد عقوداً، ومن حقهم في إقامة دولتهم السورية تحت مظلة دستور وقوانين تضمن حريتهم ومساواتهم بوصفهم مواطنين، والاعتراف بتعدّد قومياتهم كما كان حال انطلاقة ثورتهم قبل نحو 11عاماً مترافقة بصيحات الحرية في درعا مهد الثورة، وامتدادها إلى كلّ المحافظات السورية منذ أيامها الأولى، ولا تزال، رغم خفوت أصواتها بفعل علوّ ضجيج أصوات السلاح وطيران روسيا القاتل.

ربما يعقد السوريون، من منطلق عاطفي بحت، تلك المقارنات والمفارقات في المواقف والدعم الغربي العسكري للأوكرانيين الذين يتقدّمهم رئيسهم في الدفاع عن استقلالية بلده، وحرية اختيار موقعها الجيوسياسي، بعد أن جرّبت تلك البلاد مآسي موقعها في قلب العالم السوفييتي وما تلاه، وبين الدعم الغربي الخجول لفصائلهم المعارضة المسلحة والمحفوف بالحذر، والخوف من قوى مشتّتة الهوية والهدف، تحارب ضد النظام السوري (الكتلة الصلبة) المعروف والمجرّب أميركياً وأوروبياً وإسرائيلياً، والذي يواجه معارضيه بجيشه وسلاحه وقوات الدول الحليفة له (إيران وروسيا).

وقد تكون لهذا الإحساس بالظلم الذي يعتريهم أسباب كثيرة، منها الاعتماد على أقوال معارضين كانوا يستقصون كلمة هنا وكلمة هناك، عن وقوف الغرب إلى جانب المعارضة، وتدعيم موقفهم في المفاوضات منذ عام 2014 وحتى ما بعد الجولة المقبلة في 21 مارس/ آذار الجاري، ما يجعل أمر النظام السوري وكأنه انتهى، بين تصريح وآخر يصدر عن مسؤول غربي أميركي أو أوروبي، كما هو الحال في الإعلان، أخيرا، على موقع السفارة الأميركية في دمشق "إن بشار الأسد، وعلى مدى 11 عاماً، عذّب وارتكب جرائم ضد السوريين، ... وأن الإفلات من العقاب سينتهي هذا الشهر"، ما يفترض معه هذا من توهمات أنّ حكم الأسد الذي وثقت المنظمات الدولية استخدامه الأسلحة الكيميائية شارف على الزوال، وأنّ حقبة جديدة تبدأ مع مطلع العام 12 لثورة السوريين.

يتهم بعض السوريين الغرب بمواقفه الحالية ضد الحرب الروسية ومناصرته أوكرانيا بأنه خان الثورة السورية، وأخلّ بمبادئه في دعم مطالب الديمقراطية، ويتناسون أن هذا الغرب، ومعه إسرائيل، لم يعلن، في أي موقف صريح، أنه ضد التدخل الروسي في سورية، وأنه اكتفى بمطالبتها بتوضيح مسبق للأهداف التي تنوي ضربها، وأن كل الاتفاقيات التي أتاحت لروسيا توسيع حصّتها في التدخل في سورية، واستعادة نفوذ النظام السوري الداعمة له على المناطق الخارجة عن سيطرته، كانت تعقد مع الولايات المتحدة مباشرة أو عبر أصدقائها تركيا مثلاً، من الاتفاقية السرّية (كيري – لافروف) في 9 سبتمبر/ أيلول 2016 إلى مناطق خفض مناطق خفض التصعيد في مايو/ أيار 2017، إلى اتفاق إجلاء مقاتلي الغوطة في مارس/ آذار 2018، واتفاق منطقة حوران (الجنوب السوري) في 2018، إلى الفشل الذريع في عقد أيّ اجتماع تفاوضي حقيقي ومنتج في جنيف وغيرها فوق الطاولة أو تحتها.

عقد المقارنات بشأن الموقف الغربي من الحربين اللتين شنتهما روسيا على السوريين المعارضين وعلى أوكرانيا كبلد واحد، ليست في ميزان حسنات المحللين، على الرغم من تشابه الدمار والنتائج على أوكرانيا وسورية، من همجية القصف وعشوائيته واتباع سياسة الأرض المحروقة كما كانت في حلب والغوطة، وقبلها غروزني، وكلّ موقع استفاق فيه حلم القيصر الروسي. وأنّه إذا جاز للسوريين المقارنة، عليهم أن يذهبوا أبعد من ترصّد أخبار الدعم الغربي، إلى ترصد واقع حال "التخلي الأميركي" عن وعودهم الأوكرانيين في حماية حدودهم بعد تخليهم عن الرؤوس النووية لروسيا، وتشابهه مع واقع الثورة السورية وجولات السفير الأميركي في حماة وشد عضد الثوار، في إيحاء بالدعم الكامل الذي تحوّل إلى ما يقرب من "طرفة" الدعاء للأوكرانيين بالنصر.

هذه الحرب محدودة المكان في مشهدها الجغرافي المصغر، لكنّها في حقيقة انتشار مفاعيلها حرب عالمية، شاء الغرب أن يدخلها، أم بقي واقفاً على رؤوس أصابع قدميه معاقباً من نتائجها، فهي أصابته مباشرة في اقتصاده اليوم، وهي لن تنجيه، في حال استمرارها، من تتابع شظاياها في مجتمعاته وقدرتهم على الصبر على حكوماتهم، كما أنها ربما تكون مدعاةً للتقوقع في محميات قومية تعيد خريطة العالم إلى هيئتها البدائية، وتُعلي من أسوار الفصل العنصري بين البشر، وتُسقط ما أنتجته الحضارة الغربية من امتيازات الحرية العلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية والفنية والثقافية، ما لم تستيقظ أوروبا سريعاً من استسلامها لحلم الاكتفاء بالأمان الاقتصادي السعيد، وتبحث عن أمانها العسكري أيضاً.

الانتصار لجهةٍ ما في حربٍ اشتعلت يبقى موقفاً أخلاقياً عند الشعوب، لكنّ الحرب ضمن دائرة الحكومات هي مصالح بالأرقام، الديمقراطيات منها تحسبها وفقاً لمصالح شعوبها. أما الديكتاتوريات فحساباتها على قدر مطامعها في بقائها على كراسيها، وهي لا تختلف عن حسابات القيصر الباحث عن حلمه، ولا يمكن لأحدٍ معرفة ماهية ذلك الحلم وكيف يمكن تحقيقه على أرض الواقع، لكنه حتما أسوأ من كلّ توقعاتنا. يقول الكاتب الروسي العظيم دوستويفسكي: "غالباً ما يتحدّث الناس عن الوحشية للإنسان، لكنّ ذلك غير عادل ومجحف بحق الوحوش، فلا يمكن لحيوان أن يكون بقسوة الإنسان، بتلك القسوة الماهرة والفنية أيضاً"... ويمكن أن نزيد في القول... النووية أيضاً.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر  عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".