أيهما أفضل .. ترامب أم بايدن؟
تشرين الثاني 07, 2020

زاهر عمرين.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب ومنافسه في انتخابات الرئاسة جو بايدن، وجهان لعملة واحدة. ولكن من شأن خسارة ترامب أن تخفف "الهمجية السياسية" التي نشرها في العالم، وأن تلجم النزعات اليمينية الخرقاء، وأن تجعل الدبلوماسية أداة عمل سياسي، بدلاً من أن تصبح أداة ابتزاز وتشفٍّ. من شأن خسارته أيضاً أن تقوي المجتمعات المستضعفة داخليا على الأقل، وأن تخفّف الضغط الجنوني على المناخ، وأن تتيح مساحةً أوسع للنقد بدل الشتم، ولقبول الآخر بدل إقصائه.

تمنّى سوريون كثيرون أن يفوز ترامب؟ بعضهم من منطق العدمية لا أكثر "لن يحصل أسوأ مما حصل لنا". ومعظمهم من منطق "الاستنفاع السياسي". والتحليل البسيط لهؤلاء قائم على مقولة إن الرجل لجم إيران بشدة في المنطقة، وشذّب أنيابها في سورية، وضغط بشدة على دمشق بعقوبات قيصر.

أولاً: لجم ترامب إيران من أجل عيون إسرائيل فقط، وهي مرحلة كانت ستنتهي قريبا، فقد أعلن هو نفسه عن احتمال التوصل إلى اتفاق مع ملالي طهران. ثانيا: الضغط على دمشق في حدوده الدنيا من واشنطن. لم يتغير شيء بالمعنى الحقيقي للكلمة منذ سنوات، فاللعبة صارت بيد لاعبين آخرين، وترامب كان في انتظار قبض الثمن لا أكثر. ثالثا: عقوبات قانون قيصر، على الرغم من التحفظ على ظلمها الناس، وعدم مساسها بالطبقة الفاسدة والمتنفذة في سورية، فقد فرضتها المؤسسة السياسية الأميركية، وليس ترامب، ولو كان الأمر بيده لابتز بشار الأسد، المتحمس للفكرة، باتفاق سلام مع إسرائيل مقابل إعادة نسخةٍ ما من نظامه السياسي، وهو ربما الحل المناسب للجميع، سوى السوريين والفلسطينيين.

دونالد ترامب، ببساطة، رجل سوق، يبيع لمن يدفع أكثر، ولن يثنيه شيء أو أحد عن صفقة مربحة له مع إيران أو مع الأسد (الوفود الأميركية أصلا تذهب إلى دمشق سراً منذ مارس/ آذار الماضي)، مع روسيا أو الأتراك، مع المكسيك او الصين، أو حتى مع الشيطان نفسه. وجو بايدن ليس أفضل منه. سيحمي إسرائيل بالتأكيد، كما فعل ترامب وربما أكثر، سيتخبط في البداية في ملفات الإقليم الشائكة، لكنه قد ينهي الأزمة الخليجية مثلا، وسيلجم حرب اليمن، وسيشذّب أظافر عبد الفتاح السيسي الدموية في مصر، وسيرسم لتركيا حدودا أشدّ صرامة في تمدّدها الإقليمي... بايدن ليس أفضل من ترامب، لكنه سيعيد أميركا إلى ساحات العمل الدولي الجماعي، بعد انسحاب ترامب الذي منح كثيرًا من القوى مساحة لعب بمصائر البشر، من دون أي حساب (إيران، روسيا،...)، من اتفاقية باريس للمناخ، مروراً بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وصولاً إلى منظمة الصحة العالمية.

ليس بايدن أفضل من ترامب، لكنه رجل دولة، وليس مجرد "تاجر جملة" سوقي ومغرور بدون أخلاق ولا معايير، كما أنه محكوم بإرث ترامب الشيطاني. قد يعقد اتفاقاتٍ، على الأرجح، مع إيران، وربما تسويات مع دمشق أيضا، لكنه أيضا سيخضع للمؤسسة الديمقراطية والسياسية الأميركية ومعاييرها، وسيحترم مجبرا بالتالي حدودا دنيا عمرها مئات السنين. وفي كل الأحوال، لا أحد منا سيستفيد كثيرا من تلك الصفقات، فقط سيصير بالإمكان توقع ما سيحدث تاليا بصورة أقل تعقيدا.

لا تفاؤل لدى كاتب هذه السطور بالرجلين، لكنه كما الجميع، مل مشاهدة المفاجآت ثقيلة الظل، والتغريدات الخرقاء الليلية، والمؤمرات الرخيصة، والتحرّش بالنساء، وتسلّط العائلة، والتنمر السياسي، والعنصرية، والتفوق العرقي، والسخرية السمجة، والاستعراض المبتذل، والكليشيهات المكرورة. ملّ من مشاهدتها، ومن تعويم كثيرين لها باعتبارها ممارسات طبيعية ومقبولة.

ترامب هو أسوأ كوابيسنا جميعا، وهو، بكل بساطة، الوجه الأكثر قباحة لزواج الرأسمالية اليمينية بالغباء.

بالمناسبة، الثلاثاء الذي خسر فيه ترامب الانتخابات الرئاسية هو اليوم نفسه الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة رسمياً خارج اتفاقية باريس للمناخ، وكأن الطبيعة أيضا تريد الإدلاء بصوتها في هذه الانتخابات، وإنْ على طريقتها.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".