أي تغيير في العراق بعد الانتخابات؟
تشرين الأول 12, 2021

إياد الدليمي

انتهت الانتخابات العراقية المبكّرة، بعد حملات وصراعات سياسية وحزبية، وحتى مليشياوية، استمرت قرابة الخمسة أشهر، منذ أُعلن عن موعد تلك الانتخابات التي أجريت قبل موعدها الدستوري بنحو سبعة أشهر، نتيجة من نتائج تظاهرات تشرين التي انطلقت في بغداد وعدة محافظات عراقية في العام 2019، وأدّت إلى إسقاط حكومة عادل عبد المهدي، والاتفاق على مصطفى الكاظمي بديلا له، على أن يوفر كل الشروط اللازمة من أجل إجراء انتخابات مبكّرة، يمكن أن تقود إلى تغيير الواقع العراقي الصعب، والعالق بين رحى المشكلات، بمختلف أنواعها وأجناسها، كنتيجة طبيعية لفشل الطبقة الحاكمة منذ الاحتلال الأميركي عام 2003.

وبغض النظر عن النتائج المعلنة للانتخابات، والتي لا يبدو أنها حملت مفاجآتٍ كبيرة، فإن الأسئلة الأهم التي يردّدها العراقي المواطن، قبل المتابع والمختص: أي تغيير يمكن أن تحمله هذه الانتخابات للواقع العراقي؟ هل يمكن أن تؤدّي إلى تغييرات حقيقية تمسّ واقع المواطن العراقي؟ هل فعلا يمكن أن تؤدّي إلى تشكيل حكومة قادرة على تحمل أعباء فساد 19 عاما؟ هل ستكون الحكومة الجديدة قادرةً على أن تواجه السلاح المنفلت، وتحصر السلاح بيد قواتها الأمنية؟ هل سيكون لهذه الحكومة القدرة على أن توفر الوظائف والأعمال لجيشٍ من العاطلين تجاوز نسبة ال 20% بحسب بيانات وزارة التخطيط العراقية؟

على إثر تظاهرات تشرين واستقالة حكومة عادل عبد المهدي، المتورّطة بقتل عشرات من المتظاهرين، ناهيك عن جرح وإصابة أكثر من 25 ألف متظاهر، جاءت حكومة الكاظمي، وأخذت على عاتقها العمل من أجل التهيئة لانتخاباتٍ مبكّرة يمكن لها أن تُنفس الشارع العراقي المحتقن، فكان أن عملت على تغيير قانون الانتخابات، فبدلا من اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، بات 83 دائرة انتخابية، والفوز فيها لمن يأتي بأكثر عدد من الأصوات.

وإذا كان النظام الانتخابي الجديد قادرا على أن يُحدِث تغييرا ما في خريطة الوجوه التي ستصل إلى مجلس النواب، فإنه حتما لن يكون قادرا على زعزعة الفاسدين ومكانتهم، فالتحالف بين المال والسلاح كانت له السطوة الأكبر والصوت الأعلى في انتخابات الأحد الماضي، وإذا ما فتشت في أوراق المرشحين والكتل التي تدعمهم، وعرفت حجم ما أنفق في هذه الانتخابات؛ فقد تُصاب بصدمة أن كل هذه الأموال تُنفق في بلد يعيش نحو 30% من سكانه تحت خط الفقر، فيما يحتل المرتبة الرابعة عالميا في ما يصدّره من نفط، وربما المرتبة الثالثة أو الرابعة في احتياط الذهب الأسود.

هناك اليوم فريقان يحاولان أن يدافعا عن نظريتيهما في الكيفية التي يمكن أن يحصل فيها التغيير المنشود في العراق، فريق أدمن فكرة أن التغيير يجب أن يأتي من داخل العملية السياسية، لأن تغيير هذه العملية من خارجها مستبعدٌ وغير ممكن ومستحيل، من وجهة نظرهم. وفريق آخر وجد أن أفضل خيار للتغيير هو مقاطعة الانتخابات والعملية السياسية برمتها، وإحداث ضغط شعبي قادر على أن يدفع بتغيير هذه العملية، مستشهدين بتظاهرات تشرين 2019 التي، وعلى الرغم من القمع والترهيب الذي مورس بحق نشطائها، إلا أنها ولأول مرة دفعت حرّاس معبد العملية السياسية في العراق إلى تغيير الحكومة وتغيير قانون الانتخابات، على أمل أن يكون ذلك كافيا وملبيا مطالب المتظاهرين.

وبغض النظر عن صدقية أي من الفرضيتين، يؤكّد الواقع أن المفاعيل الخارجية بالنسبة للملف العراقي أقوى بكثير من المفاعيل الداخلية، فلا تغيير يمكن أن يطرأ على العملية السياسية في العراق، سواء من داخلها من خلال المشاركة، أو من خارجها من خلال المقاطعة والتظاهرات، إذا لم تكن هناك رغبة إقليمية لإحداث تغييرٍ ما مستفيداً من المفاعيل الداخلية، سواء مشاركة بالعملية السياسية أو مقاطعة وضغط شعبي وتظاهرات.

وهنا لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا بالرمال، ونتحدّث بنرجسية عالية إن على العراقيين أن يعتمدوا على أنفسهم في إحداث التغيير المنشود، لأننا نعلم جيدا أن العملية السياسية في العراق ما هي إلا نتاج توافقات إقليمية ودولية، فلا يمكن بأي حال أن نتجاوز تلك الحقائق. وعلينا أن نتذكر أن رئاسة الوزراء في العراق بات منصبا يجري عليه توافق إيراني أميركي، وفي أحيان كثيرة إيراني بالدرجة الأولى، قبل أن تتم تسمية فلان أو علان لهذا المنصب. واليوم هناك حوار إيراني سعودي على الأرض العراقية، سيكون لنتائجه الإيجابية أثر بالغ على متغيّرات قد تطرأ على الداخل العراقي، على البرلمان المقبل، والحكومة التي ستتمخض عنه، أن تستغلها أفضل استغلال، وأن تمضي باتجاه استعادة العراق قراره وسيادته بعيدا عن أي نفوذ خارجي، فاللحظة تبدو اليوم مواتيةً قبل أي وقت مضى من أجل اقتناصها والنأي بالعراق بعيدا عن هذا الطرف الإقليمي أو ذاك، خصوصا إذا كانت هناك رغبة دولية حقيقية بإفساح المجال أمام العراقيين من أجل الوصول إلى تلك اللحظة.

لن تأتي الانتخابات وحدها بالتغيير المنشود في العراق، فأنت تضع صناديق لاختيار ممثلين عن أحزابٍ لا تؤمن بالديمقراطية، ولو كان لها الأمر لبطشت بخصومها وكل معارضيها، وهو ما تجلّى في تظاهرات تشرين. كما أن ترك العملية السياسية الفاسدة سيزيد من تغوّل الفاسدين، لكن أي مشاركة في هذه العملية السياسية ينبغي أن تكون مبنيةً على أسس واضحة وقواعد متينة لإحداث التغيير المنشود، وبخلافه فإن أي مشاركةٍ لن تكون أكثر من أنها إضفاء مزيد من الشرعية عليها، وعلى شخوصها الفاسدين.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".