أي «راجح» حضّر للإنقلاب؟
حزيران 17, 2020

نبيل هيثم.

من السذاجة القول، كما يفعل البعض، إنّ الأزمة التي نشهدها اليوم هي صناعة لبنانية مئة في المئة. قد تكون المصانع المنتجة لها داخلياً هي الأساس، لكنّ موادها الأولية هي خارجية، تماماً كما هي حال الاقتصاد اللبناني، بطابعه المبني عليه منذ بداية تكوّنه، وصولاً إلى نقطة تحوّله الدراماتيكية التي نعيشها اليوم.

هذا ما يجعل الصورة مشوّشة حين يحاول كثيرون مقاربة ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين، وتحييدهم، عمداً أو جهلاً، التحوّلات الخطيرة التي يشهدها العالم بشكل عام، والمنطقة العربية بشكل خاص، والتي تتخذ، منذ أربع سنوات، أي منذ تشكّل الإدارة الأميركية الحالية، شكل معارك عابرة للقارات، سلاحها ليس الدبابات والطائرات والسفن والغواصات، وإنما الدولار.

يمكن الجزم، أنّ أيّ ملف ساخن في يومنا هذا، بات متصلاً، بشكل أو بآخر، بسلاح الدولار، الذي حوّلته إدارة دونالد ترامب إلى نمط جديد من الحروب، لا تغرق فيه قواتها في مستنقعات الرمال المتحركة، كمستنقعات افغانستان والعراق. يكفي أن تعيّن الولايات المتحدة «العدو»، حتى يصبح اقتصاده مكبّلاً تحت مقصلة لائحة العقوبات المحدّثة من قبل وزارة الخزانة.

في هذه المعركة، لا بقاء للأقوى إلّا بمدى قدرته على تعزيز جبهته الداخلية الاقتصادية - كما فعلت روسيا والصين - أو بتشكيل تحالفات اقتصادية أيضاً، كما تحاول ان تفعل اليوم كل من فنزويلا وايران، وكلاهما نمطان من شأنهما أن يجعلا هذه الدولة أو تلك، قادرة على الصمود أمام الهجمة، للخروج بأقل الأضرار السياسية الممكنة.

هذان النمطان يفتقدهما لبنان اليوم، مع حكومة متخبطة في اصطناع الثقة الزائفة بالنفس، والحديث عن «انقلاب» دُبّر بليل، ولم ينجح، برغم أنّ كل مقوّمات نجاحه متوافرة، سواء كانت مقومات داخلية عناوينها العريضة باتت معروفة، من فقر وبطالة وسقوط حر في قيمة الليرة اللبنانية، وأخرى خارجية لا يحتاج فيها «الانقلاب» أكثر من ضوء أخضر ليتلو المنتصرون «البيان رقم 1» من السرايا الحكومية، وربما من القصر الجمهوري.

من يستمع إلى رئيس الحكومة حسان دياب، في خطابه الأخير، الذي رّوج له قبل ساعات من القائه، باعتباره تأذيناً لـ«مواقف مهمة»، يتبادر إلى ذهنه مباشرة تلك العبارة العبقرية التي نطق بها نصري شمس الدين في مسرحية «بياع الخواتم»، والتي تلخّص الحال تماماً: «راجح مش موجود... انا اللي اخترعت راجح».

«راجح» هو تماماً ذلك «الانقلاب» الذي تحدث عنه دياب. فالتعبير بحدّ ذاته بعيد من النمط الحاكم للمنظومة اللبنانية. ليس المقصود هنا، تلك السردية الساذجة التي يروّج البعض من خلالها لسيناريو «حكم العسكر»، تحت شعارات باتت مألوفة في ميادين الاحتجاجات الشعبية، وعنوانها العريض «الجيش هو الحل»، وإنما المقصود هو أنّ أحداً في بلد مثل لبنان، بتركيبته المعقدة، لا يمكن أن يفكّر في الذهاب إلى «انقلاب» في المشهد السياسي، إلّا اذا أراد الذهاب إلى حرب أهلية، لا تبدو ظروفها - الخارجية - متوافرة حالياً، بالنظر إلى معادلات تتجاوز حدود الداخل.

هذا ما جعل مقدّمات الفتنة تقف عند حدود مناوشات تقف بدورها عند حد ما جرى في السادس من حزيران على خط الشياح-عين الرمانة، وما جرى في وسط بيروت وطرابلس بعد انفلات سعر صرف الدولار، وهو الحد الذي يمكن اختزاله بعبارة «واقتصرت الأضرار على الماديات».

إذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه من تلك الأحداث، فهو أنّ أحداً لا يستطيع أن يمسك الشارع بمفرده، لا بل أنّ الكل مستعد لأن يمتطي الشارع خصوصاً، والمشهد السياسي عموماً، حتى بشعارات الحراك أو الثورة، التي باتت بمثابة عصا موسى التي يمكن للجميع استخدامها، ابتداءً من القواتيين والكتائبين والحريريين (بنسختهم السعدية والبهائية)، مروراً بالثنائي الشيعي، وصولاً إلى حكومة حسان دياب نفسها التي حاولت، بكثير من العبثية، أن تقدّم نفسها حكومة للثورة!

هكذا يأتي التصويب على «الانقلاب» المزعوم، ليكرّس ضياع البوصلة لدى حكومة، كان من المأمول أن تكون انقاذية، فإذ بها تستعيد نمط سابقاتها في المحاصصة، محاولة فرض معادلة جديدة من الاصطفافات السياسية التي عفا عليها الزمن منذ لحظة خروج الجماهير إلى شوارع 17 تشرين الأول.

بهذا المعنى، تُخطئ الحكومة اللبنانية في جعل صراعها منصّباً على تناقضات الداخل المتبعثرة بفعل الانتفاضة الشعبية، وفي جعل أدائها مقتصراً على سدّ فجوات السفينة الغارقة، باستخدام ما تيّسر من الأدوات الداخلية المهترئة.

اليوم، ومع بدء تطبيق الإجراءات العملانية لـ«قيصر»، يكون لبنان قد دخل في عين العاصفة، التي ظلّت تقترب منه طوال السنوات الماضية، ليصبح بدوره، هذه المرة، وبالشكل المباشر، جبهة متقدّمة في حرب العقوبات الآنفة الذكر.

هذا ما يجعل كل الآليات التقليدية التي تحاول الحكومة استخدامها للانقاذ، بما في ذلك الخطة الاقتصادية التي قُدّمت باعتبارها خشبة الخلاص للبنان، مجرّد قصور في الهواء، ستنهار مع أول نسمة هواء، فما بالكم إذا ما اجتاحتها العاصفة.

ما يجري اليوم لا يشي إلّا بأنّ حكومة حسان دياب قد اختارت سلوك النعامة التي تدفن رأسها في التراب عند هبوب العاصفة، برغم إدراكها أنّ الهلاك ينتظرها، حتى وإن أظهرت بعضاً من مظاهر التحدّي، على شاكلة الحروب الدونكيشوتية التي تُخاض منذ اسابيع تحت مسميات مختلفة، ابتداءً من الهيركات والكابيتال كوتنرول... وصولاً إلى معركة اسقاط «الانقلاب».

حرب العقوبات صعبة، وغير متكافئة، لا شك في ذلك. ولكن فرص المقاومة ما زالت متوافرة، ولكنها تتطلب خطوة إلى الأمام، تتمثل في التخلّي عن سياسة الجمود البلهاء، واحداث انقلاب فعلي في الأداء والسعي لامتلاك لبنان، ما يكفي من مقومات الصمود الداخلي أمام الضغوط الخارجية، وان لم تكن هذه المقومات موجودة، فلينصبّ العقل على اختراعها بدل التلهي في مقاتلة طواحين الهواء. وهذا يتطلب بالدرجة الاولى سلطة عاقلة.

تبعاً لذلك، يفترض بهذه السلطة العاقلة ان تكون مدركة انّ العاصفة الاقتصادية الكبرى، وعلى رغم الاهتراء الاقتصادي الآني ومعاناة الناس المتزايدة، لم تهبّ بعد، وإن هبّت - والوقت قد لا يكون طويلًا - فالله وحده يعلم حجم شدّتها، وتداعياتها، ما يعني انّ مواجهتها باتت قدراً لا مفرّ منه. وبخطوات وقائية بحجمها، حتى لا تتحول تلك العاصفة التي تتكوّن في الافق، الى اعصار يطيح كل شيء.

المصدر: الجمهورية.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".