إلى أين يتجه السودان؟
تشرين الأول 30, 2021

عمر كوش

.. إذاً، حدث الانقلاب العسكري الذي كان يخشاه سودانيون كثيرون، وتوقعه بعضهم على شكل "انقلاب زاحف"، لكنه انقلابٌ أطاح فيه العسكر شريكهم المدني في السلطة، ونفّذه القادة العسكريون أنفسهم الذين ترأّسوا مجلس السيادة الانتقالي، وذلك بعد أن نزل ملايين السودانيين إلى شوارع المدن السودانية، مطالبين بتسليم السلطة إلى المدنيين، والتي كان من المفترض أن يسلمها العسكر إلى المدنيين في 17 الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، حسبما ورد في الوثيقة الدستورية.

وإذا كانت المرحلة الانتقالية قد شهدت أخطاء وعثرات عديدة، وخصوصاً الانقسامات التي شهدتها قوى إعلان الحرية والتغيير، إلا أنه ليس مقبولاً أن يتم جعلها مسوّغاً للقضاء عليها، لأن الانقلاب الجديد يدخل السودان مرحلة أخرى قاتمة من الحكم العسكري، تُنذر بانزلاقٍ نحو مسارات مجهولة ووجهات مظلمة، ولا ينهي استيلاء الجيش على السلطة بالقوة المرحلة الانتقالية برمتها، بل يعمّق الخلافات والانقسامات بين القوى السياسية السودانية. ولن يعمل على "تصحيح مسار الثورة"، حسبما يزعم قادة الانقلاب ومناصروه، بل على وأد ممكنات الانتقال الديمقراطي، وضرب طموحات الشعب السوداني التي عبّر عنها في ثورته التي قام بها في ديسمبر/ كانون الأول 2018 ضد نظام عمر البشير. لذلك لن تنفع محاولات تمويه الانقلاب وتزيينه، والتذرّع بمختلف الحجج الواهية من أجل تبريره، إذ إنّ حماية البلاد وحلّ "الخلافات بين الساسة" لا يتمّان عبر اعتقال وزراء بثياب النوم، ولا عبر قرارات وإجراءات تقضي بإنزال الدبابات والمدرّعات إلى الشوارع، وإعلان حالة الطوارئ، وحلّ مجلسي السيادة والحكومة، وتجميد عمل لجنة إزالة التمكين، وإقالة ولاة الولايات.

وليس صحيحاً ما أعلنه قائد الانقلاب، عبد الفتاح البرهان، في بيانه التبريري، عن التزامه بإكمال مسار الثورة، وتمسّكه بالوثيقة الدستورية، لأن ما قام به تمزيق لهذه الوثيقة التي اضطر العسكر لتوقيعها تحت ضغط قوى الثورة وناسها. ولذلك جاء انقلابهم تتويجاً لسعيهم الذي لم ينقطع إلى التنصّل من كل التزاماتهم المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، كونها شكّلت، على الدوام، مادة خلافاتهم مع المدنيين في مجلس السيادة، واعتبروها، منذ البداية، عائقاً يقيّد أيديهم ويمنعهم من التصرّف على هواهم ووفق مصالحهم، ويحول دون تحقيق ما يريدونه ويخطّطونه، لأنها كانت تفرض عليهم التشاور مع المكوّن المدني في اتخاذ القرارات، والنظر في قضايا عديدة، فضاقوا بها ذرعاً، فنسفوها وتراجعوا عن كل ما تم الاتفاق عليه مع المدنيين. ومع ذلك، يحاول الانقلابيون ذرّ الرماد في العيون، في حديث البرهان عن تمسّكهم باستكمال التحوّل الديمقراطي إلى حين تسليم قيادة الدولة إلى حكومة مدنية، في انتخابات موعودة تجرى في يوليو/ تموز عام 2023.

والأدهى أن بعض ما أعلنه البرهان من قرارات يلبّي مطالب قوى النظام السابق المضادّة للثورة، وجاء إرضاء لها، وخصوصاً إعلانه إنهاء تجميد عمل لجنة تفكيك نظام البشير، والتي أنيطت بها مهمة العمل على استرداد أموال السودانيين المنهوبة، وتعتبر رمزاً ومرتكزاً لثورتهم، إلى جانب إعلانه وقف التحقيق في جريمة فضّ الاعتصام أمام مقر قيادة القوات المسلحة في الخرطوم، في 3 يونيو/ حزيران 2019، ويُتهم قادة عسكريون في مجلس السيادة بالوقوف وراءها، وخصوصاً قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). لذلك كان من الطبيعي أن تتضمّن قرارات قائد الانقلاب ما يضمن حماية القادة العسكريين ومنع تعرّضهم للمساءلة والمحاسبة على انتهاكاتٍ كثيرةٍ بحق الشعب السوداني، وعلى تورّطهم بقضايا فساد وتجاوزات عديدة.

وعلى الرغم من ذلك كله، سعى البرهان، في بيانه، إلى محاولة إضفاء طابع إصلاحي على الانقلاب الذي قاده، وإيجاد المبرّرات التي دفعته إلى القيام به، متذرّعاً بأن "التشاكس والتكالب على السلطة، والتحريض على الفوضى من دون النظر إلى المهدّدات الاقتصادية والأمنية" هو ما دفعه إلى القيام بما يحفظ السودان وثورته، وأن "الانقسامات شكّلت إنذاراً خطراً يهدّد البلاد". وتمتد الذرائع التي قدّمها الانقلابيون إلى تصوير انقلابهم أنه "خطوات تصحيحية"، تهدف إلى إنقاذ السودان من "خطر وشيك"، وأنهم ما يزالون متمسّكين بتقاسم السلطة. ولا تصمد هذه الحجج والمبرّرات أمام الوقائع التي تشي بأن العسكر خان الشراكة التي قبلها المدنيون مكرهين.

وكانت آمال السودانيين معلّقة على أن تدشّن الوثيقة الدستورية دخول بلادهم حقبة جديدة، من المفترض أن تحقّق عملية الانتقال الديمقراطي إلى الحكم المدني وانقضاء حقبة النظام الديكتاتوري السابق الذي أنهك السودان، وفتك بالسودانيين ثلاثة عقود، لكن الذي اتضح أن قولاً آخر كان لدى عسكر السودان، كونهم لم يتخلّصوا من نزعة التسلط والسيطرة، ويمتلكون سجلاً حافلاً بالانقلابات العسكرية، الناجحة والفاشلة، والتي بدأ مسلسلها مع أول محاولة انقلابية عام 1957 ضد أول حكومة وطنية ديمقراطية بعد الاستقلال. وبالتالي، ستستمرّ معاناة السودانيين، ويستمر معها نضال القوى الديمقراطية ضد أنظمة العسكر، وما يعزّز الأمل أن الملايين التي خرجت إلى ميادين التظاهر في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري مطالبةٌ بالانتقال إلى الحكم المدني، بدأت تعود إلى الشارع فور إعلان حالة الطوارئ. وبالتالي لن يوقف الانقلاب العسكري تجديد وعود ثورة السودانيين واستئناف مسيرتهم المخضبة بالدم نحو الديمقراطية.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".