إيران و"دولة" حزب الله: تصديع لبنان إلى دويلات
أيلول 16, 2021

منير الربيع

على الرغم من تشكيل الحكومة، وترحيب حزب الله بها، والمفترض أن تكون مثابة اتفاق لإعادة تكوين السلطة في لبنان، هناك حسابات تحول دون ذلك، من بينها توجهات استراتيجية يفرضها الحزب إياه، ويستفيد منها حليفه رئيس الجمهورية وتياره.

حزب فوق الدولة

فحلفاء حزب الله يستندون إلى قوته لتعزيز سيطرتهم على الحكومة ونفوذهم في الدولة. هذا يؤدي إلى متغيرات كبيرة في لبنان لاحقاً. وغالباً ما يضع حزب الله نفسه في موقع متمايز عن الدولة وعن الآخرين، أمنياً وعسكرياً، وحتى على الصعيد الاقتصادي والمالي، وصولاً إلى ملف النفط. يتمتع الحزب إياه باستقلالية تامة عن الدولة، ويتجاوزها. وكان أكثر من مسؤول إيراني، منهم وزير الخارجية، أعلنوا عن استعداد بلادهم إلى تقديم مساعدات مباشرة للدولة اللبنانية في حال طلبها ذلك. ولكن هذا لم يحصل.

صحيح أن حزب الله يقول إنه يرحب بذلك وإنه طالب الدولة أكثر من مرة بالإقدام على هذه الخطوات، ولكن الدولة ترفض خوفاً من العقوبات الأميركية. وهو دعا الدولة سابقاً إلى ضرورة التوجه شرقاً.

ودولة عظمى

وحزب الله يحافظ على تمايزه بالممارسة، أما في الكلام والخطب فيقول إنه حريص على أن يكون جزءاً من الدولة. ولكنه يتصرف على أساس أن الدولة خاضعة لرؤيته وإملاءاته، متقدماً عليها في المسارات التي يسلكها.

وهذا ما عززه البيان الذي أصدرته الرئاسة الإيرانية بعد الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون، والإيراني إبراهيم رئيسي. وقد قال البيان إنه يجب التكاتف بين إيران وفرنسا وحزب الله لتشكيل حكومة قوية في لبنان. وهذا وضع الحزب عينه في موضع المساواة مع دولتي إيران وفرنسا.

وينطوي مثل هذا الأمر على خطورة: استكمال تصدع الدولة اللبنانية ومرتكزاتها، وسط سكوت فرنسي مريب، على اعتبار حزب الله متعاوناً مع فرنسا في عملية تشكيل الحكومة.

إيران وحزبها

وليس صحيحاً أن لبنان لا يريد التعاون مع الدولة الإيرانية. وأول من فتح العلاقات الرسمية مع إيران جدياً هو رفيق الحريري خلال زيارته طهران، وزيارة محمد خاتمي لبنان في العام 1998. وفي ما بعد ذهب سعد الحريري إلى إيران، وكذلك فعل الرئيس السابق ميشال سليمان. وتم الحديث عن ضرورة عقد اتفاقيات تعاون، ولكن لا شيء من هذه الاتفاقيات وصل إلى التطبيق. فإيران هي من يكرس مبدأ تقديم المساعدات لحزب الله ولبيئته الاجتماعية حصراً. وإذا أرادت تقديم مساعدات لآخرين تقدمها عبر حزب الله. وهذا ينطبق على المشروع الأوسع: تسليح الحزب وتمويله.

وبهذا التخصيص الذي يصنعه حزب الله لنفسه برعاية إيرانية، يريد خلق مجتمع عاطل عن العمل وبلا مؤسسات. وهو يفضل المركزية ويحصرها بنفسه ومؤسساته، من خلال الخدمات الصحية والاجتماعية التي يقدمها، وإدخال مواليه إلى وظائف رسمية في الدولة اللبنانية. والآلية هذه تعتمدها الأطراف السياسية كافة.

أما بالمعنى الاستراتيجي فيبقي حزب الله لبنانَ معلّقاً بين خطين متوازيين: خط الدولة وخطه هو. على أن يبقى خطه هو متقدماً على خطّ الدولة. وهذا يبعث المزيد من التشظي. فاستيراد النفط الإيراني، يحمل الآخرين إلى الإقدام على الخطوات نفسها. وقد يؤدي هذا إلى دويلات متعددة. هو مشروع لا يقتصر على لبنان، بل حصل في العراق وسوريا بشكل أوضح طوال السنوات الماضية.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".