اتفاق ترسيم "تاريخي"
تشرين الأول 15, 2022

بيار عقيقي

في بيروت وتل أبيب وواشنطن مصطلحٌ واحدٌ اتفق عليه الجميع، عفوياً، نتيحة اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين اللبنانيين والإسرائيليين: "تاريخي". التاريخ هنا حمّال أوجه. تاريخياً، هو الاتفاق الأول من نوعه خارج اتفاقياتٍ نجمت عن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، من اتفاق الهدنة في 1949 إلى قرار مجلس الأمن 1701 في عدوان صيف 2006. لم تكن ولادة الاتفاق نابعة من اشتباكات عسكرية، ولو أن العمل العسكري الذي أرسته روسيا بغزوها أوكرانيا هو المحفّز على الاتفاق، لكن بين اللبنانيين والإسرائيليين، كان اتفاقاً مولوداً من دون رصاصةٍ سابقة، ومن دون عملية تبادل أسرى. في الشكل، ما حصل تاريخيٌّ، بالمعنى الفضفاض للكلمة، غير أن تطبيقه يبقى مجهولاً، أقلّه في لبنان.

الإسرائيلي يعشق الأضواء والفوضى المنظّمة، التي يريد الإيحاء عبرها أنه "يعيش في بلد ديمقراطي، أقرب إلى الطبيعة الغربية في نظامه السياسي"، متناسياً أن قانون "يهودية الدولة" يتناقض مع أبسط مفاهيم الأمم المتحدة، قبل الحديث عن إحلال شعبٍ مكان آخر، قبل نحو 73 عاماً، وإفرازاته من مجازر وتهجير. الإسرائيلي سينجو من "التناقضات" المفتعلة، ضمن مفهوم "الأمن أولاً"، على اعتبار أن المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية وافقت على الاتفاق، واعتبرته بمثابة الحلّ الأفضل. وفي الوقت نفسه، باشر الإسرائيلي العمل في التنقيب عن مكامن الطاقة في البحر الفلسطيني المحتل وتصديرها منذ سنوات، من دون التأثّر بالتغييرات السياسية في الكنيست، ولا في زحمة الانتخابات في السنوات الأخيرة. واتفاق الترسيم لا يحمل جديداً له في الموضوع النفطي، سوى في طيّ صفحة "الحرب المستقبلية مع لبنان"، أو أقلّه تأجيلها سنوات مديدة في أسوأ الاحتمالات.

في المقابل، يشهد لبنان شيئاً جديداً: قطاع خام بمثابة كنز في خضمّ وضع اقتصادي متردٍّ، يسعى فيه من استفاد من الزبائنية في البلاد عقوداً طويلة للاستفادة منه على حساب الشعب، على الرغم من أن السيف مسلطٌ فوق رؤوسهم لاعتباراتٍ مصلحيةٍ لدى حاملي السيف، شرقاً وغرباً. يدرك من يملك الحدّ الأدنى بالمعرفة النفطية والطاقوية عموماً أن مثل هذه الثروة الجديدة تسمح في إنقاذ الناس في لبنان، إذا تمّت إدارتها بصورة سليمة.

السؤال الأهم هنا: هل سيحصل هذا الأمر؟... من الصعب عدم التفكير عكس ذلك. الفساد في لبنان ليس مجرّد طبقة سياسيةٍ ـ مصرفيةٍ ـ حزبيةٍ ـ دينيةٍ متغلغلةٍ في شرايين نظام هشّ، بل مرتبط بذهنيةٍ متعمّقةٍ في الدماغ الاجتماعي اللبناني. وكي يتم إنهاء هذه الذهنية، توجِب الحاجة إلى من يضع حدّاً فاصلاً، بين مسار من يعتبر أن الفساد طبيعي وحتمي في لبنان ولا يمكن إخراج البلاد منه ومسار يعلم أن بناء وطن ذي أولوية إنسانية بما تتضمّنه من عدالةٍ اجتماعيةٍ وتأمين الحقوق البديهية للناس، ليس سهلاً لكنه يستحقّ سلوكه، مهما طال زمن تعميمه على كل شبرٍ من لبنان.

صحيحٌ أن مفهوم "الدولة"، أي السلطة العليا التي تدير المجتمع، يبقى مهيمناً في عالمنا، في غياب أناركية ما لم تنضُج على مستوى العالم، إلا أن مثل هذه السلطة تحتاج ركيزتين لفرض رؤية مغايرة لذهنية الفساد: تطهير القضاء وتطهير الأمن من الفساد والتسييس. ومتى نجح ذلك، يصبح ضرب الفساد أشبه بحجر دومينو. تبدو الكلمة لطيفةً ومبسّطة، لكنها تحمل في زواياها حرباً ضروساً، لأن من طبيعة الإنسان عدم التخلّي عما يمتلكه بسهولة، فكيف إذا كان هذا الإنسان بنى "مجدَه" على أموالٍ فاسدةٍ في لبنان؟

اليوم أو غداً، ستتدفق الأموال على لبنان، وفي وقتٍ غير بعيد، ستصبح البلاد قادرةً على تجاوز أزمتها، لكن في حال لم يكن الهمّ الأول للدولة، تأمين خبز ودواء وكهرباء وماء وتعليم وأمنٍ لكل فردٍ على أرض الجمهورية اللبنانية، فهذا يؤكّد أن التعاسة في لبنان، المولودة من الفساد، خيارٌ لا قدَر.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".