الأزمة مستمرة حتى إجراء الإصلاحات !
تموز 01, 2021

د. وائل نجم

الأزمة مستمرة. هذا مختصر مفيد لكل ما يجري. مستمرة سياسياً من خلال عرقلة وتعطيل تشكيل الحكومة. مستمرة معيشياً من خلال استمرار أزمة الوقود والكهرباء والمياه والدواء وغيرها من القائمة التي تطول وتطول على الرغم من بعض الخطوات التي اتُخذت مؤخراً. مستمرة أمنياً من خلال تهديد الاستقرار العام من خلال العصابات والمافيات التي بدأت تروّع الآمنين في وضوح النهار سلباً و"تشليحاً" ونهباً. مستمرة أخلاقياً من خلال تمسّك تلك الطبقة السياسية بمواقفها ومحاصصتها واستئثارها وكيديتها غير آبهة بما يصيب اللبنانيين من مشكلات. مستمرة بفعل القرار الخارجي بعدم مساعدة لبنان إلا بعد أنّ يجري الإصلاحات ويلبّي الشروط التي تقدّم بها صندوق النقد الدولي ومن خلفه القوى المهيمنة على قراره والموجّهة لإعماله.

يوم الثلاثاء الماضي كشف وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، عن لقاء ثلاثي جمعه بنظيريه السعودي والفرنسي، وأنّ النقاش دار بشكل أساسي في هذا اللقاء حول لبنان، وأشار بلينكن إلى أنّ القادة السياسيين "لم يظهروا قيادتهم الحقيقية من ‏خلال تنفيذ الإصلاحات" وربط أيّة مساعدة جدّية وحقيقية بتنفيذ تلك الإصلاحات التي تقدّم بها منذ أكثر من سنة صندوق النقد الدولي والدول التي تُصنّف على أنّها مانحة، وهذا يعني فيما يعنيه أنّ الأزمة في لبنان مستمرة طالما أنّ الاصلاحات أو الشروط بشكل أدق لم تُنفّذ، وأنّ على اللبنانيين أن يتحمّلوا الضغوط التي ستزداد وإلاّ فإنّ عليهم الخضوع. نعم الخضوع والاستسلام للشروط.

رُبّ لقائل أن يقول إنّ المسؤول عن الأزمات المركّبة الكثيرة، وإنّ ما أوصل لبنان إلى هذا الدرك هي تلك الطبقة السياسية التي عاثت فساداً وإفساداً وأهلكت الحرث والنسل كما يُقال. ولكنّ الصحيح أيضاً أنّ هذه الطبقة السياسية مرعية من فوق. أي من المجتمع الدولي. من بلينكن وجماعته. وعلينا أن نتذكّر جيداً كيف أسرع الرئيس الفرنسي،إيمانويل ماكرون، إلى نجدة تلك الطبقة السياسية يوم خرج الناس في ألوف مألّفة بعد انفجار المرفأ يطالبون برحيلها من جديد. يومها حضر ماكرون إلى بيروت وخيّب أمل الشعب اللبناني يوم دعا إلى حكومة وحدة وطنية أساسها تلك الطبقة الفاسدة. بهذا الاعتبار نعم، تلك الطبقة السياسية محميّة بشكل كامل وكبير من المجتمع الذي يفرض شروطه اليوم على لبنان، وينادي بالإصلاحات من أجل مساعدة لبنان. بهذا الاعتبار يمكن القول إنّ مسؤولية الخارج لا تقلّ عن مسؤولية الطبقة الراعية للفساد لأنّ الخارج يرعى الطبقة التي ترعى الفساد.

 لبنان اليوم واقع تحت الحصار غير المعلن، وهذا ليس تبريراً ولا تبرئة للطبقة الفاسدة ولا الفساد المستشري في كل أوصال الدولة. المطلوب اليوم من لبنان تنفيذ جملة شروط غير واضحة بشكل كامل، قد يتصل بعضها بالصراع في المنطقة وعليها من أجل إعادة تشكيلها، وبعضها الآخر بتصفية القضية الفلسطينية، وبعضها الثالث بحجم الثروات النفطية والغازية للبنان أو المتوفرة في منطقة شرق المتوسط، وربما بغير ذلك من الأمور. والمطلوب في هذا الحصار غير المعلن الوصول باللبنانيين إلى الإذعان والتسليم بكل ما تريده الدول التي تنادي بمساعدته.

الأزمة مستمرة بهذا الاعتبار وهي قد تقود إلى انفجار اجتماعي قد يكون وشيكاً وقد ينشر الفوضى بشكل كامل وواسع وبشكل يطيح بهيكل الدولة ويعيد تركيبها من جديد وفق الخرائط والتصوّرات التي يعمل البعض عليها منذ وقت طويل.

الآراء الواردة  في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".