الأسد والثورة المضادّة وإيران
تشرين الأول 01, 2021

بشير البكر

يبدو أن وزير خارجية النظام السوري، فيصل المقداد، لم يذهب إلى نيويورك من أجل حضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل من أجل التقاط الصور الاستعراضية، مع عديدين من نظرائه من الدول العربية التي بدأت رحلة إعادة العلاقات الرسمية مع دمشق. وبثت وكالة الأنباء السورية (سانا) صورا لاجتماعات المقداد، وكأنها تحتفل بمناسبة تجاوز أول خطوةٍ في طريق رفع الحظر العربي عن النظام، والذي بدأ عام 2011 بتعليق عضوية سورية في جامعة الدول العربية، بسبب استخدام القوة في قمع المتظاهرين السلميين. وتأتي لقاءات الجمعية العامة تتويجا لسلسلة من الاتصالات والمشاورات بين عدة دول عربية، في مقدمتها الأردن، الإمارات، مصر، العراق، والجزائر. وجاء سفر المقداد والوفد المرافق له إلى نيويورك، على متن الخطوط الجوية المصرية، إشارة لا تخلو من دلالة سياسية، إذا ربطناها باجتماع المقداد مع وزير خارجية مصر سامح شكري.

من حق النظام السوري أن يحتفل اليوم، لأن الأغلبية العربية باتت مستعدّة لإعادة العلاقات معه، وتتبنّى مسألة عودته إلى جامعة الدول العربية بلا شروط. وتقوم الجزائر بحملة علاقات عامة من أجل أن تتم العودة رسميا، بمشاركة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في مؤتمر القمة العربي، المقرّر عقده في نهاية الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني) في الجزائر. وفي كل الأحوال، وبغض النظر عن الترتيبات الشكلية، تشكل هذه الخطوة ولادة جديدة للنظام الذي شارف على الموت عدة مرات خلال العقد الماضي، وآخرها كانت في سبتمبر/ أيلول 2016، حين تدخلّت روسيا عسكريا للحيلولة دون سقوط دمشق بيد الفصائل العسكرية المعارضة. ولذا تشكّل عودة نظام الأسد إلى الجامعة جرعة سياسية مهمة له، لإخراجه من غرفة الإنعاش، على الرغم من أن الجامعة باتت مؤسسة بلا دور، وغير قادرة على تشكيل موقف عربي موحد حيال ما يعيشه العالم العربي من تدهور، ويواجهه من تهديدات، ولا رأي لها في النزاعات الدولية، سيما التي تدور من حول العالم العربي.

عودة الأسد إلى النظام العربي الرسمي نجاحٌ جديدٌ للثورة المضادّة على ثورات الربيع العربي، والتي تقودها الإمارات ومصر، ولكن الحصاد في سورية لصالح إيران التي يبدو أنها استعادت المبادرة، ولم تعد تأبه بالعقوبات الأميركية، وإلا لما كانت بواخر النفط الإيرانية تُبحر من الموانئ الإيرانية، وتعبر عدة بحار كي تفرغ حمولتها في المرافئ السورية، ومن ثم يتم شحنها إلى حزب الله في لبنان عبر الأراضي السورية. وما كان هذا ليحصل خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، وهذه علامة هامة إلى ما ينتظر العالم العربي بعد أن تُكمل الولايات المتحدة انسحابها العسكري من العراق وسورية في غضون عام. ستكون هناك إعادة ترتيب للجغرافيا السياسية للمنطقة، وستحصل بذلك إيران على الحصة الأكبر. وبالتالي، لن تنعكس كل هذه الاحتفالات بصورة إيجابية على سورية التي تجاوزت حالة الفشل إلى الموت السريري، وتحتاج إلى أكثر من "مشروع مارشال" لبثّ الحياة فيها. ومن بين الدول التي تعمل على تعويم النظام، ليس هناك من هو على استعداد إلى التضحية بتوظيف رؤوس أموال، من دون ضمانات فعلية بأن البلد بدأ يسير على طريق الاستقرار، وهذا أمر بعيد في ظل تقسيم الجغرافيا السورية إلى عدة مناطق نفوذ دولية وإقليمية متنازعة ومتضاربة المصالح. وما لم يحصل حلّ سوري سوري باتفاق جميع الأطراف، لن تكون هناك قيمة لكل الترتيبات الجارية لإعادة تعويم نظام الأسد الذي ترفضه الغالبية العظمى من السوريين، والتي تبقى صاحبة الكلمة الفصل، حتى لو دفعها التهجير القسري إلى ما وراء البحار، ومن غير ذلك لن يتغير الوضع عما عليه اليوم.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الوادرة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز.