الإسلاميون في لبنان وتحدّي الاستحقاق النيابي
كانون الأول 09, 2021

وائل نجم

كلّما اقترب موعد الاستقحاق الانتخابي النيابي كلّما زاد اهتمام الناس والقوى السياسية والحزبية به، وكلّما ارتفعت درحة حرارة الاتصالات واللقاءات والتشاورات وصولاً إلى التحالفات الانتخابية أو السياسية أو التفاهمات الظرفية والطارئة لأنّ القانون الانتخابي الذي اعتمد النسبية من ناحية والصوت التفضيلي من ناحية ثانية وشكل الدوائر من ناحية ثالثة يحتّم على كلّ القوى السياسية للجوء أحياناً إلى تفاهمات مناطقية وظرفية لتجاوز قطوع الاستحقاق، وهنا قد تكون لطرف على حساب طرف آخر، ولكن تبقى لكلّ طرف أهدافه من المشاركة واختيار التحالفات والتفاهمات وما سوى ذلك.

الإسلاميون في لبنان مهتمّون بهذا الاستحقاق كغيرهم من القوى السياسية والشعبية لاعتبارات عديدة وكثيرة. فهم شاركوا سابقاً في الاستحقاقات النيابية السابقة وكان لهم تمثيل اعتباراً من أول انتخابات بعد انتهاء الحرب في العام 1992، يومها فاجأ الإسلاميون كل الوسط السياسي عندما فاز لهم ثلاثة نوّاب من خارج التحالفات التي كانت مرعية من قبل سلطة الوصاية في حينه. ثم تراجع التمثيل لاحقاً لكنّه لم ينته. وظلّت مشاركة الإسلاميين حاضرة بالانتخابات ترشّحاً واقتراعاً حتى آخر انتخابات في العام 2018 حيث لم يتكّنوا من الفوز بأي مقعد نيابي لاعتبارات يتعلّق بعضها بالحصار الذي كان مضروباً عليهم في ضوء الحصار المضروب إقليمياً على ما يُعرف بـ "قوى الإسلام السياسي"، فضلاً عن اعتبارات أخرى ربما يأتي ذكرها لاحقاً.

كما وأنّ الإسلاميين مهتمّون بالاستحقاق الانتخابي النيابي المقبل بالنظر إلى الأزمة السياسية التي يعيشها البلد وتشهد نوعاً من الفراغ الجزئي أو شبه الكلّي على مستوى الساحة الإسلامية السنّية بفضل سياسيات التيارات السياسية التي كانت تشغل هذه الساحة. الإسلاميون يجدون أنفسهم أمام مسؤولية ملء هذا الفراغ ولو جزئياً من ناحية بما ينقض دور وحضور هذه الساحة في ظل نظام سياسي قائم على توزيع مواقع القوى طائفياً ومذهبياً، وبالتالي لا يمكن الغياب لأنّه يعني خسارة على المستوى الوطني لكلّ تلك الساحة. كما وأنّهم معنيون بالمشاركة الجادّة والفعلية في ظل المشاريع التي تستهدف المنطقة بشكل عام بطمس هويتها والقضاء على القضية الفلسطينية من ناحية وإنشاء واقع جديد يستند إلى موازين قوى مختلفة، هنا يجد الإسلاميون أنفسهم معنيون في المشاركة وتأمين مقعد سياسي لهم يكون بمثابة الغطاء القانوني لتحركاتهم ويكون أيضاً بمثابة الملجأ الآمن للأطرف التي تشاركهم الهمّ ذاته على مستوى المنطقة، ولذلك فإنّ خيارهم بالمشاركة لا بدّ منه حتى في ظلّ التعقيدات والتحدّيات القائمة، سواء منها المالي أو السياسي أو أي اعتبار آخر.

أمّا عن الكيفية التي سيشارك من خلالها الإسلاميون في الاستحقاق فهي محكومة باستيعاب حجم التحدّيات التي تعصف بالساحة الوطنية بشكل عام، وبالساحة الإسلامية على وجه الخصوص، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ البعض ما زال يتعامل ويتصرّف كما لو أنّه لم تتغيّر الظروف ولا أشكال الصراع في المنطقة، وهي نقطة تُعدّ خاسرة بالنسبة لهم إذا أصرّوا على الانطلاق منها خلال مشاركتهم بالاستقحاق. يمعنى آخر لا ينبغي للماضي أن يكون أساساً في بناء المستقبل، مع أهمية الإفادة من الماضي عند مقاربة كيفية التعامل مع الأيام المقبلة.

كما وأنّ مشاركة الاسلاميين ستكون محكومة أيضاً بشكل التحالفات التي سيشاركون من خلالها، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كلّ القوى السياسية اللبنانية مهما بلغت من القوّة والتنظيم والحضور الشعبي، بحاجة إلى تحالفات سياسية ثابتة أو انتخابية ظرفية، وكلّ من يتنكّر لذلك أو لا يحاول هضمه يسجّل خسارة مسبقة في ملعبه، وبالتالي عليهم أن يدركوا هذه الحقيقة قبل الانخراط في العملية الانتخابية، وعلى قاعدة الربح المشترك لهم وللطرف الحليف. كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ بناء التصوّر المسبق والمواقف المسبقة من الأطراف الأخرى تعني خسارة فرصة للربح وتحقيق إنجاز لهم وللساحة التي يتطلعون إلى المشاركة في قيامتها وقيادتها، وبالتالي لا ينفع بناء المواقف السلبية أو الإيجابية من أي طرف محتمل للتحالف، فهذا خارج الواقعية السياسية التي نحتاجها في مقاربة هذا الاستحقاق في لبنان.

إضافة لما ورد فإنّ الإسلاميين بحاجة إلى تحديد الأولوية من المشاركة في هذا الاستحقاق. هل تنطلق من قراءة لها علاقة بالربح والخسارة؟ بمعنى ربح مقعد نيابي أو خسارته؟! أم تنطلق من فكرة تكريس التيار الإسلامي مرجعية للساحة الإسلامية في لبنان؟! أم تنطلق من حسابات لها علاقة بواقع المنطقة وما يُرسم لها من مخططات خبيثة تريد تفتيتها وإخضاعها من جديد؟ فكل عنوان من هذه العناوين له تحالفاته وتفاهماته في الاستحقاق المقبل.

وتبقى مسألة مهمّة وهي أن يخرج الإسلاميون بخطاب واضح وبكلمة واحدة تجمعهم في هذه المرحلة وأمام هذه التحدّيات من أجل خوض هذا الاستحقاق وقد منحتهم القاعدة الشعبية ثقتها بعد أن فقدت الثقة بالمرجعيات التي استأثرت بقرارها على مدى عقود ولم تنتج إلاّ العقم والتنازلات.