الاتفاق الثلاثي .. رواية ثالثة.
آب 25, 2020

عيسى الشعيبي.

مع الإعلان المفاجئ عن الاتفاق الثلاثي (الإماراتي الإسرائيلي الأميركي) من داخل البيت الأبيض، قبل نحو أسبوعين، راجت روايتان مختلفتان بشأن غاياته، وتداولت أطرافه معطيات متباينة عن دوافعه الحقيقية. صدرت الأولى عن تل أبيب وسط صخب إعلامي مترافق مع احتفال بتحقيق اختراق نوعي آخر في جدار المقاطعة العربية، يفتح آفاق تعاونٍ لا حدود لها مع دولةٍ خليجية ثرية. والثانية رواية تكفلت بها دولة الإمارات، ودفعت بها إلى الرأي العام، عن إنجاز تاريخي يصب في صالح الشعب الفلسطيني، ويفتح أمامه طريقاً جديداً لنيل حقوقه المشروعة.

في الرواية الإسرائيلية المشوبة بالغموض المقصود لذاته، حاول بنيامين نتنياهو تجميل صورة إنجازه إلى أبعد الحدود الممكنة، فوصف الاتفاق الذي تحقق بلا ثمن بأنه الأول من نوعه مع دولة عربية، قوامه السلام مقابل السلام، على عكس سابقيه مناحيم بيغن وإسحاق رابين، اللذيْن استجابا لمفهوم الأرض مقابل السلام. وتفاخر بأنه نجح في الوصول إلى ذلك من دون العبور من البوابة الفلسطينية إلى رحاب العالم العربي، ومن دون دفع أيٍّ من استحقاقات السلام، وفق ما وعد به ناخبيه قبل سنوات طوال، وعاند من أجل الظفر به منذ وصل إلى الحكم.

أما في الرواية الإماراتية المليئة بالنواقص والثغرات والادّعاءات، والمغطّاة بعملية تجميل كثيفة المساحيق، فقد تم تظهير خطاب سياسي/ إعلامي أشد التباساً من سابقه، يرتكز، في المقام الأول والأخير، على قاعدة أساس واحدة، أن هذا الاتفاق غير المسبوق أوقف عملية ضمّ كانت وشيكة لأراضٍ فلسطينية واسعة، وحافظ، في الوقت ذاته، على خيار حل الدولتين قائماً، بل وأحياه بعد ممات، وفي ذلك خدمة جليلة، كان على الفلسطينيين اغتنامها والبناء عليها، لا أن يركلوها بأقدامهم، ويهدروا فرصة سانحة، بتهمة أنهم لا يفوّتون فرصةً لإفشال كل فرصة.

كان من المشوّق أن نستمع الى رواية ثالثة من جانب الراعي الأميركي لهذا الاتفاق، كي نعرف ما وراء الأكمة من نوايا مضمرة ورهانات واعتبارات حاكمة، وملاحق محتملة، وأن نتبيّن أيضاً حقيقة الادعاءات المتبادلة بين الطرفين، سيما عن ماهية الهدف المشترك، ولُباب النتائج المتوخّاة لكل منهما على حدة، وفوق ذلك الوقوف على الأثمان المدفوعة لتوقيع ما اتفقت الأطراف الثلاثة على أنه إنجاز تاريخي، غير أن العرّاب المتعجل إبرام الاتفاق عشية الانتخابات الرئاسية المقرّرة بعد سبعة أسابيع، واصل قول كل شيء من دون أن يقول شيئاً بعينه.

من أجل بناء رواية ثالثة ذات مصداقية معقولة، تود هذه المطالعة أداء هذه المهمة الصعبة، بالاستناد إلى ثلاثة مصادر منفصلة. الأول جاء من سبق صحافي ملأ الفضاء الإعلامي، لكاتب إسرائيلي يدّعي أنه صديق ترامب، ويزعم أنه يتلقى على بريده الإلكتروني نحو عشرين رسالة يومية من مكتب الرئيس ومن أبنائه وابنته وزوجته. حيث نشرت له "يديعوت أحرونوت"، وهي أوسع الصحف الإسرائيلية انتشاراً، وعلى صدر صفحتها الأولى، قبل أسبوع، ما يمكن اعتباره حجر الأساس في بنية الرواية الثالثة، إنْ لم تكن هي الرواية الصحيحة. المصدر الثاني للرواية البديلة جاء من صحيفة نيويورك تايمز التي يقاطع ترامب مراسليها، إلا أنه لا يستطيع اتهامها بالكذب، حيث نشرت تحقيقا أعدّه أربعة من مراسليها، عزّز ما كشفه الصحافي الإسرائيلي المذكور آنفاً، عما باتت تسمى "الصفقة" التي تنطوي على أشياء لم ترد في أقوال كل من سوّغ ما سوف يُعرف بتحالف ثنائي بين الإمارات وإسرائيل، عقب احتفال هوليودي سيجري في حديقة البيت الأبيض. أما المصدر الثالث فهو مستمدٌّ من مضمون المقابلة المطولة مع تلفزيون العربي للدكتور عزمي بشارة، الذي فكّك مبنى الاتفاق ثم أعاد تركيبه في سياقٍ أشمل، أمسك بفحواه وشخّص مغزاه الكامن في مسعى دولةٍ تبحث عن حليف قوي.

جاء في بعض هذه المصادر أن الضم، الذي عارضته منظمة التحرير الفلسطينية وأوروبا، ونواب في الكونغرس، وجل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ونصف حكومة نتنياهو، ثم أوقفته إدارة ترامب، لم يكن سوى غلالة شفيفة، لتمرير صفقة قوامها التطبيع مقابل طائرات إف 35 الشبحية، ومسيّرات ومنظومات دفاعية، رفع نتنياهو الفيتو عنها من وراء ظهر المؤسسة الأمنية وشركائه في الحكومة، وهو أمر عُرض منجزاً محمّلاً بالجمائل للشعب الفلسطيني.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".