الاعتداء على الجيش .. رسالة أم محاولة لاستدراج فتنة؟
كانون الأول 09, 2016

وائل نجم - كاتب وباحث 
ليلة الأحد - الاثنين الماضي تعرّض حاجز للجيش اللبناني في بلدة بقاعصفرين في قضاء الضنية لاعتداء من قبل مجهولين قاموا باستهداف الحاجز بوابل من الرصاص عن مسافات ليست بعيدة، ثم لاذوا بالفرار إلى جهة مجهولة، وقد أدّى الاعتداء إلى استشهاد جندي وجرح آخر، فيما قامت وحدات الجيش المنتشرة في المنطقة بعملية تعقّب للافراد الذين نفّذوا الهجوم، كما نفّذت عمليات دهم في أكثر من محلّة، وأوقفت عدداً من المشتبه فيهم من دون أن تؤكد تورّط أي موقوف بهذا الاعتداء حتى ساعة كتابة المقال. وبالطبع فقد لاقى الاعتداء موجة استنكار واسعة، ولا سيما من فعاليات منطقة الضنّية الذين اكدوا الوقوف إلى جانب المؤسسة العسكرية، وأنهم الحاضن الدائم لها. 
في سياق متصل، نفى مصدر أمني أن يكون الاعتداء قد جاء في سياق رد الفعل على قيام الجيش بمداهمة بعض الاماكن في المنطقة وتوقيف أحد الأشخاص، من غير أن يستبعد أن يكون في سياق التحضير لعمل ما، أو في سياق  الرسائل التي تستخدم بين الفينة والأخرى في إطار التجاذب السياسي أو الرسائل ذات المضمون العميق الدلالة.
وإذا عدنا بالذاكرة إلى أسابيع خلت، فقد شهدت المنطقة عمليات سرقة وسطو مسلّح وكمائن لبعض اللصوص وقطّاع الطرق الذين كانوا يلجأون إلى الاعتداء على المواطنين والمزارعين والصيادين ويسلبونهم أمتعتهم ونقودهم وهواتفهم، وحتى أحياناً سياراتهم، ويفرّون إلى جهات مجهولة معلومة، وكانوا يشهرون في أغلب الاحيان أسلحة حربية أوتوماتيكية على ضحاياهم مهدّدين ومتوعدين، وقد رفع أبناء تلك القرى والبلدات القريبة من جرود الضنية أكثر من طلب ورسالة إلى المعنيين في قيادة الجيش وفي الحكومة والأجهزة الأمنية لوضع حد لتلك الظاهرة التي أخذت تتنامى وتهدد وتقلق المواطنين والمزارعين والصيادين، وقد عمد الجيش في حينه إلى تعزيز مواقعه في تلك المنطقة، وسيّر دوريات في أغلب الأوقات من أجل حفظ أمن المواطنين، ومنع أولئك «الإرهابيين» من تهديد حياة وأمن الناس. 
هل للاعتداء الغاشم على الجيش اللبناني في بلدة بقاعصفرين ليلة الأحد الاثنين الماضي علاقة بحوادث السلب والسرقة والسطو المسلح التي كانت تجري في تلك المنطقة؟ أم أن المسألة لها علاقة بردّ فعل على توقيف أحد الأشخاص على خلفية حمله لأفكار قد تجعله على علاقة بـ«تنظيم الدولة»؟
المعادلة الثانية التي تتحدث عن ردّ فعل من قبل المعتدين على توقيف أحد الأشخاص نفاها مصدر أمني لأكثر من صحيفة، ومن دون استبعاد هذا الاحتمال على الرغم من إمكانية أن يكون هو خلف الاعتداء تكاد تكون ضعيفة جداً، وذلك لأن المعتدي، بهذه الخلفية، يدرك جيداً أن اعتداءه لن يقدّم ولن يؤخّر شيئاً في إطلاق سراح أي موقف أو مشتبه به، بل على العكس من ذلك تماماً، إن الاعتداء بهذه الخلفية يثبت فعلاً تورط البعض في عمليات قد تشكّل خطراً على أمن البلد ومستقبله، وبالتالي فإن شيئاً من خلفها لن يتغيّر، إلا إلى ما هو أسوأ. 
وأما البحث في المعادلة أو الفرضية الأولى التي تتحدث عن علاقة بين عمليات السطو المسلح، وحادثة الاعتداء، فهنا يمكن سوق كلام آخر. 
فالهدف من عمليات السطو المسلح التي يعرف أبناء منطقة الضنية جيداً من يقف خلفها كانت تهدف في جوهرها وفي حقيقتها ليس إلى سلب المواطنين أمتعتهم، على أهميتها، ولكن كانت تهدف إلى إثارة أجواء من الرعب والخوف في نفوس أبناء تلك المنطقة، وتدفعهم إلى مواجهة تلك الاعتداءات بحمل السلاح للدفاع عن قراهم وأرزاقهم في مواجهة سطو المسلحين، وبالتالي تصوير أبناء تلك المنطقة على أنهم خارجون عن القانون، ومنتمون إلى منظمات «إرهابية» خارج الحدود، بهدف شيطنة تلك المنطقة كمقدمة لشيطنة جزء من الساحة اللبنانية، وجعلها مربكة على الدوام، إلا أن أهالي المنطقة رفضوا منطق الأمن الذاتي، واستعانوا بالدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، لأنهم على ثقة تامة بها، وهنا يأتي الحديث عن محاولة لإدخال تلك المنطقة وأبنائها في مواجهة مع الجيش من خلال الاعتداء على جنوده الذين هم في الأساس أبناء هذه المنطقة، ومن نسيجها، وهنا يأتي الحديث أيضاً أنه ربما استغل المعتدون قيام الجيش بعملية توقيف أحد المشتبه فيهم لتنفيذ هذه العملية من أجل تصويرها على أنها ردّ فعل على قيام الجيش بواجبه، وهنا يجري إدخال الجيش أيضاً في عميلة مواجهة من نوع مختلف مع الأهالي الذين يشكلون البيئة الحاضنة له. وفي كل الأحوال يكون الهدف شيطنة جزء من الساحة الإسلامية تحديداً وإبقاءها في موقع المتهم على الدوام، وهنا يجب أن لا ننسى أن هناك بعض الأطراف في الداخل لا تريد أن تقوم للدولة قائمة، وقد كانت صريحة في التعبير عن هذا الشيء من خلال الأقوال والأفعال. 
وإذا كنا نميل في رأينا إلى هذا التفسير، إلا أن ذلك لا يمنع التفسير الآخر الذي يرى أن الحادثة تدخل في إطار محاولات بعض التنظيمات لتحويل الساحة اللبنانية إلى ساحة مواجهة بعيداً عن أي حسابات لها علاقة بأي مصلحة لأصحابها أو أصحاب الأرض، وهنا يجب أن يكون أهل كل منطقة حذرين من مثل هذه المحاولات التي لا يعرف من يقف خلفها على وجه التحديد، وإن كانت أفعالها تجري بمسميات تدغدغ مشاعر، وتحاكي هواجس الكثيرين.