البحث عن نظام عالمي جديد
آذار 05, 2022

بيار عقيقي

تحدّث كثر عن "نظام عالمي جديد"، يُفترض أن يولد من رحم الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي بدأ في 24 فبراير/ شباط الماضي. اتهم الغربيون الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالعمل على تغيير قواعد اللعبة المعمول بها منذ تفكّك الاتحاد السوفييتي في عام 1991. ومع أن هذا البلد كان جزءاً من هذا النظام الذي جمع المنتصرين في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، إلا أنه كان "الجار المزعج" الذي منع تفرّد الجزء الآخر من المنتصرين في قيادة العالم. وبعد سقوطه، تحوّلت قواعد اللعبة، وجرى تعديل النظام إلى قطبية أميركية برضى أوروبي. الآن، وإن كان بوتين يرغب فعلياً بإعادة توزيع الأدوار ضمن منطق "التعدّدية القطبية"، بما يهدّد النظام الحالي، إلا أن الغرب بدوره يدرك أن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تعديلات 1991، لم يعد صالحاً. لذلك، لم يأتِ الموقف البريطاني عن عبث، بالدعوة إلى إقصاء روسيا من مجلس الأمن، بما يعنيه ذلك من سحب حق "الفيتو" منها، بل أفصح البريطانيون، بصوت عال، بما يفكر به العالم الغربي: نظام عالمي جديد، تكون فيه روسيا مختلفة عن "بوتينيتها"، أي أن تكون "لاعباً آخر" لا "محوراً" في النظام الجديد.

يمكن للغرب الاعتقاد أن لجم روسيا، مرّة واحدة ونهائية، سيسمح بعدم ولادة بوتين جديد أو جوزيف ستالين وفلاديمير لينين آخرين. لكن في المقابل، وبما أن الفرضيات تبقى أوهاماً حتى تصمت آخر رصاصة في أي حرب، كيف سيكون شكل "النظام العالمي الجديد"؟ ما يظهر على الحدود البولندية - الأوكرانية يثير الرعب، لجهة التفريق بين الأوروبيين والغربيين من جهة والأفارقة والآسيويين والعرب من جهة أخرى. ليس تفصيلاً ما يحصل، لأن الإنسان في لحظة تحرّك الغريزة يصبح "حقيقياً". وإذا كانت "الحقيقة" تعني إبقاء النظرة التسلطية الحديثة التي أرستها قرون الاستعمار الأوروبي إلى دول أفريقية وآسيوية وأميركية، فإن مشكلة العنصرية لن تبقى مجرّد "مسألة هامشية"، بل ستتحوّل إلى معضلة عالمية، خصوصاً أن دولا أفريقية عديدة، في مقدمتها نيجيريا، ستتحوّل إلى كتلة ديموغرافية كبيرة في العقود المقبلة، ما يضع أفريقيا على رأس أكبر القارّات بعدد السكان.

والديموغرافيا ليست بيدقاً صغيراً في رقعةٍ سياسيةٍ، بل محورا أساسيا بفعل النمط الاقتصادي المبني على التوجه إلى أسواق ذات كثافة سكانية، والذي نما بصورةٍ هائلةٍ في قلب نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. هنا، تبدو العنصرية الموجهة ضد العرب والأفارقة والآسيويين محفّزا لخلافٍ مؤجل، أكبر بكثير من محاولة طمسه بسبب ضجيج الغزو الروسي. إذاً، في أثناء سعي الغرب، وضمن منطق عنصري، إلى إبعاد الروس وكل ما يمتّ إلى روسيا عن الأنشطة الرياضية والموسيقية والثقافية وغيرها، بغية إخراج بوتين من أوكرانيا، فإنه يستولد خصماً مستقبلياً سيكون جاهزاً في "ساعة صفر" لمواجهته. حينها، لن يكون "النظام العالمي" الذي يحاول استغلال شجاعة الأوكرانيين في الدفاع عن بلادهم في منأى عن خطر أكبر من روسيا.

هل يدرك الغرب المخاطر الناجمة عن الغزو؟ أكيد لا، لأن الإعلاميين الذين تحدّثوا بفوقية تجاه كل ما هو غير غربي لم يولدوا أمس، بل هم جزءٌ من نسيج، لا تهمّ نسبته المئوية في المجتمع بسبب تأثيره وقدرته على إيصال صوته، يعتقد أن أفكاره الخاطئة تجاه غير الغربيين "صحيحة". هنا، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً وتمسّ بجوهر الأفكار التي سعى بعض فلاسفة ما بعد الثورات الشبابية والثقافية في الستينيات إلى تسويقها. وتتلخّص الأفكار بـ"النظر إلى الآخر كما ننظر إلى أنفسنا". لذلك، يبدو أن نحو نصف قرن من محاولة تغيير عقليةٍ رسّختها القرون الوسطى قد ذهبت سدى، ونال أصحاب التيارات اليمينية المتطرّفة أكثر مما يشتهون. هل يمكن بناء "نظام عالمي جديد" وفق هذه التصوّرات؟ لا، بل شكل متجدّد من "كو كلوكس كلان".

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".