التشدد الإيراني والهرولة الأميركية
حزيران 24, 2021

حسام كنفاني
منذ وصول الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى السلطة، كان واضحاً أن اهتمامه بالملف النووي الإيراني مغايرٌ تماما لاتجاه سلفه دونالد ترامب، وأنه لا ينوي السير في النهج نفسه مع طهران، بل العودة إلى مسار الاتفاق النووي مع بعض التعديلات، خصوصاً أن هذا الاتفاق هو إنجاز إدارة الرئيس باراك أوباما التي كان بايدن فيها نائباً للرئيس، وهي كانت تعتبره أحد أهم الإنجازات التي حققتها الإدارة على الصعيد الخارجي. لذا، من الطبيعي أن يعمل بايدن على فكّ التجميد الذي وضعه ترامب على الاتفاق، وتقديمه محسناً باعتباره استكمالاً للإنجاز. إضافة إلى ذلك، ليست إيران بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الحالية أولوية، بقدر ما هي الصين وروسيا، لا سيما أن إدارة أوباما، والتي يمكن اعتبار فترة بايدن الحالية هي الثالثة لها، سلمت إلى إيران مفاتيح المنطقة مقابل الاتفاق النووي، وهي غير آبهةٍ بكل التوسّع الإيراني في المنطقة، بل على العكس كانت أحد مشجّعيه إلى حد ما، وبالتالي فإن هذه الإدارة بحاجة إلى طي سريع لهذا الملف للتفرّغ للتعاطي مع "الخطر الصيني" الذي تضعه في قمة اهتماماتها.
من حق إدارة بايدن أن ترتب سلم أولوياتها في السياسة الخارجية، غير أنها لا بد أن تقيس الخطوات التي تنتهجها استراتيجياً مع نظرة إلى الواقع الإيراني الجديد، المغاير تماماً لما كان عليه الوضع في فترة إبرام الاتفاق النووي، حين كان الإصلاحيون في سدّة الرئاسة الإيرانية. هناك واقعان جديدان في إيران اليوم من المفترض أن تضعهما الإدارة الأميركية في حساباتها في المفاوضات القائمة حالياً مع طهران. الواقع الأول والأساسي هو تأثير العقوبات التي فرضتها إإدارة ترامب على الجمهورية الإسلامية، وكانت سبباً في تحولات استراتيجية في قدرة إيران على الاستمرار في ما تسميه "تصدير الثورة"، وتغذية أجنحتها العسكرية الموزّعة في اليمن والعراق ولبنان وسورية، في ظل ما يشبه الانهيار الاقتصادي الذي أخرج أصواتاً في إيران تندّد بتوزيع الأموال على الخارج، في ظل شبح الجوع الذي يهدّد الداخل.
هذه المتغيرات دفعت الإدارة الإصلاحية في إيران إلى محاولة تليين مواقفها التفاوضية في العودة إلى الاتفاق النووي، وهو ما كان بداية الدخول الأميركي على خط هذه العودة. غير أن الواقع الثاني الجديد في إيران اليوم هو وجود رئيسٍ محافظٍ في قمّة التشدّد هو إبراهيم رئيسي، والذي أطلق قبل يومين مجموعة "لاءات" في ما يتعلق بالتعاطي مع الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، لعل أهمها عدم التخلي عن البرنامج النووي، والرفض المطلق لمناقشة الترسانة الصاروخية التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية. ولعل النقطة الأخيرة كانت أساسية في الشروط الأميركية التي وضعها بايدن للعودة إلى طاولة المفاوضات، أي مناقشة القدرة الصاروخية الإيرانية. في ظل هذه اللاءات، من المفارض أن تكون المفاوضات التي تجرى في فيينا حالياً غير ذات جدوى، بل بالعكس ستقدّم خدمة جليلة للإدارة المحافظة القائمة حالياً في إيران، وتثبت أن طريق التشدد هو الوسيلة الوحيدة "لاستعادة الحقوق".
لا شك أن مثل هذه الرسالة ليس مرغوباً فيها لا من الولايات المتحدة، ولا من دول المنطقة التي تعاني أساساً من التمدّد الإيراني. وبعد خطاب رئيسي، كان من المفترض أن تجمد الولايات المتحدة المفاوضات، بانتظار إشاراتٍ أكثر ليونةً من طهران تجعل من التفاوض ذا جدوى. لكن هذا لم يحصل، بل تبدو الولايات المتحدة ماضية في تقديم الهدايا لإيران. والحديث اليوم عن رفع 1000 من أصل 1500 عقوبة ليس إلا تهنئة من بايدن للرئيس الإيراني الجديد، مع ما يحمله ذلك من تبعاتٍ لن تكون هينة على المنطقة.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".