التضييق على الحريات .. والهروب إلى الأمام.
تشرين الأول 10, 2019

د. وائل نجم.

برزت خلال الأيام والأسابيع الأخيرة محاولات عديدة للتضييق على الحريات العامة والصحفية، خاصة بعد التحركات الشعبية التي اعترضت على العهد والحكومة وكل الطبقة السياسية القائمة والحاكمة، وحمّلتها مسؤولية الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية التي تعيشها البلاد، وقد طالب بعض المعترضين على تلك الطبقة برحيلها، فيما استخدم البعض الآخر بعض الأوصاف التي اعتبرت حادة في التعبير عن حالة السخط التي يعيشها الناس ومدى "قرفهم" من تلك السلطة، وهو ما حدا بالبعض إلى تحميل المسؤولية للناس، وكأن المتواجدين في سدّة المسؤولية يقومون بكل ما يلزم من أجل إخراج البلد من أزمتها، ولا يعتمدون منطق ومبدأ المحاصصة والمحسوبية والزبائنية في إدارة البلد، أو أنهم لم يحوّلوا الوزارات والإدارات إلى مناطق نفوذ خاصة بهم وبـ "أتباعهم" فقط.

الجميع يدرك أنه قد طرح على طاولة مجلس الوزراء مسألة ملاحقة المغرّدين أو أصحاب الرأي، وطالب البعض باعتماد الحبس والسجن لأولئك على أي رأي يحتمل الإساءة لأي من أفراد السلطة الحاكمة، فيما رفض البعض الآخر هذا المطلب ووقف في وجهه بشكل حازم، وأصرّ على احترام الدستور والقانون الذي حمى الحريات العامة والصحفية، ورفض في موازاة ذلك القدح والذم، ووضع لها عقوبات واضحة، كما وضع لائحة بالعقوبات للوسائل الإعلامية التي تخالف الأنظمة والقوانين، فضلاً عن أنه أنشأ لها محكمة خاصة تُسمّى محكمة المطبوعات، ومكل ذلك أصر البعض على أن تتم ملاحقة أصحاب الرأي والمغردين الذي كفل لهم الدستور حرية التعبير عن الآراء ضمن القوانين المرعية الإجراء، وبعيداً عن أية إساءة أو افتراء أو ما سوى ذلك، كما كفل لكل من يمكن أن تناله أية شبهة أو اتهام أن يلجأ إلى القضاء لنيل حقه، وليس عبر الزجّ بالمثقفين والمفكرين وأصحاب الرأي بالسجون على أبسط موقف أو رأي.

البعض يريد أن يحوّل لبنان إلى دولة بوليسية، أو إلى نظام حكم عسكري أسوة بما هو موجود في بعض الدول المجاورة، في حين أن لبنان دولة ديمقراطية برلمانية كفل دستورها وقانونها لمواطنيها الحرية، وكفل لمؤسساتها الصحفية التعبير والتحرك بحرية حتى أن الصحافة كانت وما زالت تُسمّى في لبنان بالسلطة الرابعة.

من المعروف أن الفشل على المستويات كافة تقريباً بات هو السمة البارزة لهذه المرحلة بغض النظر عن الأسباب والظروف المحلية أو الإقليمية أو الدولية. لقد فشل على المستوى الاقتصادي، وفشل على المستوى السياسي، وفشل على المستويات الأخرى، والدليل هي الحالة التي وصل إليها البلد، وحالة التعبير التي دفعت الناس للخروج بشكل شبه عفوي أواخر الشهر الماضي والمطالبة برحيل كل السلطة السياسية التي تدير البلد وبغض النظر عن أي شيء آخر.

الواضح الآن أن البعض ممن فشل في تحقيق انجازات حقيقية تقنع الشعب اللبناني، يحاول اليوم أن يغطي هذا الفشل بساسة كمّ الأفواه، وتحويل لبنان إلى دولة بوليسية يمنع فيها الانسان من حقه بالتعبير، تماماً كما هو في بعض دول الجوار، وهذا ما لا يقبل به الشعب اللبناني الذي نشأ حرّاً وعاش حياته حرّاً وسيبقى حرّاً.

آن للبعض ممن يُعلي دائماً من شأن الدستور والقانون والدولة أن يدرك أن الدستور والقانون ودولة المؤسسات تُعلي دائماً من شأن الحرية الشخصية والفردية وحرية الصحافة والتعبير والاعتقاد، ونحن متقدمون، في لبنان، عن غيرنا بهذه القيم، فلا تعيدونا إلى عصر القرون الحجرية.