التطبيع في المغرب .. سقوط كليشيهات.
كانون الأول 26, 2020

ساري حنفي.

ضمن سلسلة إجراءاتها السياسية، تفاجئنا الترامبية الانتهازية بمقايضة المملكة المغربية باعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء الغربية مقابل التطبيع الكامل مع دولة إسرائيل في أوج مرحلتها الاستيطانية. ما يميز الحالة المغربية التطبيعية عن مثيلاتها العربية في الأشهر السابقة (الإمارات، البحرين، السودان) أن حزباً ذا مرجعية إسلامية، وهو العدالة والتنمية، يقود التحالف الحكومي، برئاسة سعد الدين العثماني، ما جعل السهام تتوالى، من المطبّعين مع الكيان الصهيوني والرافضين له، لإعلان سقوط "الإسلام السياسي". ما تريده هذه المقالة هو اعتبار التطبيع لحظةً لسقوط ليس ما يسمّونه "الإسلام السياسي"، وإنما كليشيهات كثيرة بشأن الأحزاب، ذات المرجعية الإسلامية، وممارستها السياسية، وعلاقتها بمدنية الدولة (أو العلمانية الجزئية للدولة). وتالياً ثلاثة منها:

الكليشه الأول، أن هذا "الإسلام السياسي" قد أعطى دائماً الأولوية لقضايا الأمة على قضايا الدولة الوطنية، ما يجعله موجّهاً من "أجندة خارجية". ويُخفي ذلك نظرة أن مفهوم "الإسلام السياسي" واحد، قد يكون سلفياً، ولكنه غالباً إخواني، وهو متطرّف بتأثّره من أفكار سيد قطب إلى "القاعدة". وغالباً ما يستخدم هذا النعت إما يساريون غير ليبراليين، يرون في الحركات الإسلامية منافساً كبيراً لهم. وبالتالي، يدعون إلى إقصاء أي حركة سياسية ذات توجّه إسلامي بدعوة علمانية لائكية، تفصل، بشكل كلي اصطناعي، بين ما هو سياسي وما هو ديني، حتى لو كان ذلك عبر أخلقة السياسة. أو يستخدم هذا التوصيف الخطاب الإسلام الرسمي الذي يرى تسييس الدين فقط في المعارضة، ففي الخليج مثلاً، يتم وصم أي معارض بأنه إخواني (وهكذا تمت استباحة دم جمال خاشقجي، حسب تصريحات سياسية وتغريدات تويترية شعبية في السعودية). ولذا يصبح الإخواني صنواً للاحتجاجي. إذن، هناك ببساطة انزلاقٌ بالمعنى، فبمناداتهم بعدم شرعية "الإسلام السياسي" هم، في الحقيقة، يدعون إلى عدم شرعية الاحتجاج. وعليه، ينبغي تحيين توصيف المخيال السياسي للحركات الإسلامية، ليأخذ بعين الاعتبار فكراً إسلامياً سياسياً متعدّداً ومتنوّعاً، منه الوسطي ومنه المتطرّف. ما يهم هنا أن استخدام هذا المفهوم (الإسلام السياسي) لا يمكّن، بعموميته، من فهم الحالة المغربية.

ما يحصل اليوم هو استمرار صيرورة أحزاب وحركات ذات مرجعية إسلامية بإعطاء الأولية للوطني على حساب الأممي أي مفهوم الأمة الإسلامية. هنا يمكن فهم لماذا اختلفت تصريحات هذه الأحزاب والحركات في الجزائر وفلسطين عن المغرب. وهذه صيرورةٌ قد رصدناها، منذ عدة سنوات، من خلال الممارسة السياسية والمواقف الاجتماعية والفتاوى. فمثلاً يمكن ذكر موقف الأمين العام السابق لحركة التوحيد والإصلاح، الشيخ أحمد الريسوني، المتسامح لغير المسلمين للدعوة لدينهم في الدول ذات الأكثرية الإسلامية، إن كانوا يسمحون للمسلمين بفعل المثل في بلادهم، وذلك موقفٌ يستخدم تأطير الدول الوطنية كفضاء جغرافي تتمايز فيه الأحكام. وهنا أختلف مع الصديق معتز الخطيب، عندما يعتبر، في مقالة حديثة له، أن هناك إيديولوجيا إسلامية صلبة تعطي، تاريخياً، أولية الأممي على حساب الوطني. ما أراه اليوم هو ممارسات واضحة لإيديولوجيات مرنة وبراغماتية قادرة على الاعتراف بمعضلاتٍ وتناقضاتٍ بين هذه المستويات وفهم متطلبات الدولة الوطنية (غالباً استبدادية في الحالة العربية) وسياساتها الخارجية التي لا تسمح للأحزاب بمخالفتها، ما يفسّر تمسك المغاربة بكل أحزابها بالصحراء الغربية وتمسّك الجزائريين بكل أحزابهم باستقلالية هذه الصحراء. وتتجلّى هذه البراغماتية، في سياقاتٍ عدة، مثل تونس والمغرب، باعترافهما بتعدّدية الميول والمعتقدات، بما فيه حرية الضمير في مجتمعاتهما ذات الأغلبية الإسلامية، ما يتطلب التفريق بين ما هو دعوي ديني وما هو قوننة للمواطن في الدولة الوطنية.

الكليشعه الثاني أن وجود مثل هذه الأحزاب والحركات، ذات مرجعية إسلامية في الحكم أو في المعارضة، هو ضد علمانية الدولة، أو ما يحب بعض الإسلاميين تسميتها مدنية الدولة. هذا كلام غير صحيح في سياقات مجتمعية كثيرة، فرئيس الوزراء، سعد الدين العثماني، هو من أوائل من كتب بالتمايز بين الدعوي والسياسي، وفعلاً كانا مواقفه كذلك، فموقف حركة التوحيد والإصلاح الذي دان بوضوح التطبيع يختلف عن موقف جناحها السياسي، حزب العدالة والتنمية، الذي سكت عن التطبيع. وفي ذلك اتساق في صيرورة العلمنة الجزئية التي تسير عليها دول كثيرة ذات الأغلبية الإسلامية.

الكليشه الثالث، اعتبار أن الصراع مع العدو الصهيوني هو الصراع الأساس لكل عربي ومسلم في كل زمان ومكان، ما يتوجب أن تكون له دائماً الأولوية عن القضايا الأخرى ذات الطبيعة السياسية أو الاجتماعية. يجب الاعتراف أن لكل مجتمع ولكل حزب أولويات ملحّة وطنية قد تجعل من مرتبة هذا الصراع مهمة، بينما تعطي الأولوية لقضايا وطنية ملحّة مثل قضية وحدة التراب (مغربية الصحراء) أو غيرها من قضايا. إذا، تختلف مصفوفة الهامّ والملحّ في مقابل مصفوفةٍ اعتدنا عليها، وهي الصراع مع التناقضات الرئيسية (في هذه الحالة الصراع مع العدو الصهيوني والإمبريالية) مع التناقضات الثانوية (قضايا تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان). المشكلة في بعض قوى اليسار غير الليبرالي التي تبنّت الطرح الماوي بشأن التناقضين، الرئيسي والثانوي، والذي يحقّبُ له في مراحل كبرى: ضد الخارج الإمبريالي ثورة وطنية، وضد المرحلة ما قبل الرأسمالية ثورة ديمقراطية، وضد السيطرة الرأسمالية ثورة اشتراكية. وتشكّل هذه الحقب النظرة الاستراتيجية إلى ما هو رئيسي وما هو ثانوي. المشكلة في هذا الطرح هي التحنّط في التاريخ، وإضفاء ماهياتٍ على هذه الحقب الكبرى. أي كأن علينا اعتبار الصراع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية العالمية أنه الصراع الرئيسي منذ 1948، و"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، حتى لو كان النظام "التقدّمي المقاوم" في سورية دموياً يستخدم التعذيب للمعارضين السياسيين حتى موتهم. كما أن على الشعب اللبناني تحمّل فساد "المقاومين"، أو على الأقل تغطية هؤلاء على فساد حلفائهم، تحت اسم التناقض الرئيسي مع الإمبريالية.

يبقى القول إنه بعيداً عن هذه الكليشيهات الثلاثة، ينبغي أن تبقى بوصلتنا هي المقاربة الأخلاقية للسياسة، فالضرورات الوطنية يجب ألا تنسينا أهمية مفهوم الأمة والإنسانية والعدالة ومحاربة الظلم في كل مكان. أي أنه ينبغي اعتبار التناقض بين ما هو وطني وما هو أممي مرحلياً، بحيث نبحث عن حلول خلاقة لحله، واضعين موضوع عدالة قضية، مثل قضية فلسطين أو قضية الروهينغا وغيرهما من القضايا الأممية، نصب عين كل من يتمتع برؤيةٍ أخلاقية. وبمعنى أكثر عمليةً، إن كان لا بد من هذا التطبيع المغربي، المدان بالنسبة لي، فربما انتظر من المقاربة الأخلاقية للسياسة استخدام هذه العلاقات مع الكيان الصهيوني لمنع هدم أي بيتٍ في الأراضي المحتلة، وخصوصاً في القدس. أليس الملك محمد السادس هو رئيس لجنة القدس؟ وربما تسنح الفرصة بسبب استمرار الممارسات الاستيطانية الإسرائيلية لإعادة النظر، عاجلاً أم آجلاً، بالعلاقات مع هذا النظام الاستيطاني.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".