الثورات انحسرت .. والثورة المضادة انكسرت.
شباط 11, 2021

ممدوح الشيخ.
في عشرية الثورات العربية، لا صوت يعلو فوق صوت التقييم والاستشراف. وفي مفترق العشرية يبدو التنبؤ بمستقبل "الثورة المضادة" أكثر إثارة، بعد أن بدا لفترة أنها قادرة على وأد "الربيع العربي". ولا يجادل أحد في أن الثورات التي انطلقت قبل عشرة أعوام انحسرت، لكن الثورة المضادة، فجأةً، انكسرت. وانكسارها ليس ثمرة صلابة الثائرين، ولا ثمرة ارتفاع المد الثوري إلى نقطة تتجاوز قدرات المتحالفين تحت راية "الثورة المضادّة"، بل سبب الانحسار أن القوى الغربية أيقنت أن الاستمرار في مواجهات السنوات العشر الماضية سيتسبب في غرق السفينة. وهددت سلوكيات عواصم عربية عدة في الملف الليبي بأن تتسبب في تغيرات في العالم العربي مخاطرها أكبر بكثير من قائمة "المخاوف الـمُضخَّمة" التي جرى تسويقها لتبرير أجندة "الثورة المضادّة". .. حقيقة قد لا يحب كثيرون الاعتراف بها، لكن الوقائع تؤكّدها.
وليبيا أحد مؤشرات هذا الانكسار، فمع عبور الفرقاء الليبيين متاهة المواجهة العسكرية العبثية، واحتكامهم للصندوق في انتخاب من يديرون المرحلة الانتقالية، تكون دولة ثانية من دول شمال أفريقيا (بعد تونس) قد خطت الخطوة الأولى الحقيقية في طريق الإفلات من فخّ إعادة إنتاج النظام السابق. وبالنظر إلى المصالحة الخليجية، والتحوّل في الموقف الغربي من الحرب في اليمن (والحرب عليه) تكون ثورات "الربيع العربي"، مهزومةً كانت، أو منقوصةً أو ذبيحةً، قد حصلت على هدنة، بدأت مع حكم بايدن.
وفكرة أن يتجاهل الغرب واقع الشعوب العربية، ويقبل "تفويض" عدة قوى إقليمية لمواجهة موجة التغيير، أسفرت عن أوضاع مأساوية، لعل أكثرها قسوةً ما آلت إليه الأمور في اليمن. والهدنة لا تعني أن الغرب سيدعم ميلاد عالم عربي جديد، بل تعني، على الأرجح، إرغام كل الأطراف على قبول واقع أن عليه التصرّف وفقًا لـ"قواعد لعبةٍ" أقلّ دموية، والتغاضي عما حدث في سورية واليمن وليبيا، أدّى إلى نتائج يصعب الاستمرار في قبولها كفاتورة مقبولة لتحقيق المصالح أو استعادة الاستقرار.
والثورات لم تتحول، منذ انطلقت شرارتها، إلى مشروع تغيير فعلي، لكن وعودها فتحت بابًا للسعي إلى الديمقراطية لم تنجح "الثورة المضادة" في إغلاقه. وها هي الأخيرة تفقد تماسك جبهتها، وتتخلى، في صمتٍ، عن سقف طموحاتها، وتتوقف عن السعي "المتغطرس" إلى إعادة هندسة الإقليم بإرادة منفردة، ليكون متوائمًا مع تصوراتها. وعلى المدى البعيد، أصبح هناك تسليم بأن تأسيس بنيةٍ تربط بعض العواصم بمصالح ضخمة مع إسرائيل سيجعل مواجهة الثورات، إذا شهدت موجة ثانية، شأنًا دوليًا تتولى القوى الغربية عبئه المباشر. وبعد أن كانت بعض هذه الأنظمة السياسية تساعد في حماية إسرائيل، والدفاع عن المصالح الغربية، ستسعى إلى الاحتماء بإسرائيل بشكل أكثر سفورًا.
من هنا، تأتي أهمية فترة حكم جو بايدن بالنسبة للشرق الأوسط، فالإدارة الأميركية الجديدة تتبنى عدة انحيازات قد تغير وجه المنطقة، أولها أن مصالح أميركا ومصالح إسرائيل ليستا متطابقتين (تعبير استخدمه حرفيًا مسؤول إيراني). وفكرة تطابق مصالح الدولتين حصدت منها إسرائيل الكثير جدًا خلال العقود الماضية، وكانت أميركا لسنوات تجعل لإسرائيل "نصيبًا" من مردود النفوذ الأميركي الكبير، وتجعل بعض المصالح الأكثر أهمية لحلفائها العرب مرهونةً بالحصول على ضمانات أو مكاسب لإسرائيل.
والملف النووي الإيراني هو المثال الأكثر تعبيرًا عن هذا التحوّل، فإدارة جو بايدن تتبنّى أولوية العودة إلى الاتفاق النووي، حتى لو كانت تل أبيب تعارض ذلك. والانحياز الثاني، في هذا السياق، ضرورة أن تستخدم أميركا نفوذها الدولي لدعم الديمقراطيات في العالم، وهو توجّه أصبحت إسرائيل ترى إعماله في منطقتنا خطرًا وجوديًا عليها. وتسعى، بكل قوة، إلى دعم الاستبداد السياسي العربي، بعد أن ظلت سنوات تسوق نفسها "واحة ديمقراطية وسط الأدغال"، وبالتالي تستحق حماية الغرب لها!
وفكرة أن يكون لأميركا دور نشط في حماية الديمقراطية في العالم استعارها الرئيس الجمهوري، جورج بوش الابن، من الحزب الديمقراطي. وعودة بايدن إلى تبنّيها قد تكون الاختلاف الرئيس بينه وبين باراك أوباما الذي تصرّف بواقعية سياسية في ملفاتٍ عديدةٍ في مقدمتها الملف السوري، ما منح الأسد وحلفاءه فرصة ذبح الثورة بشراسة.
فإذا كانت "الثورة المضادّة" قد انكسرت، فهل يستمر انحسار الثورات؟
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبر عن "آفاق نيوز".