الحاجة الروسية لـ"داعش" أوكراني
آذار 01, 2022

عيسى الشعيبي

كلّ الحروب التي وقعت على مدار التاريخ البشري، بما في ذلك حروب التوسع الاستعماري والغزو الخارجي، كانت تجري، دائماً وأبداً، بمبرّرات أخلاقية، مهما كانت هذه ضعيفة أو حتى ملفقة، وكان يتم تسويقها، في مطلق الحالات، بذرائع يمكن الترافع عنها أمام منتقديها في الخارج، والدفع بها، أيضاً، في وجوه معارضيها في الداخل، باعتبارها حرب ضرورة لا حرب خيار، يمليها حق الدفاع المشروع عن النفس، وتفرضها موجبات درء الخطر قبل وقوعه، حتى لا تُلام القيادات عن غفلتها، وتُسأل عن جريرة ترك الأمور تمرّ تحت أنفها.

ولعلّ الغزو الأميركي للعراق، قبل نحو عقدين، كان أوضح الأمثلة على هذه الفرضية التي يمكن العثور على أمثلة لها في سائر الحروب القديمة والحديثة، حيث جرى اختلاق الذرائع الملفقة، وبناء المسوّغات الهشّة، مثل نزع أسلحة الدمار الشامل الموهومة، أو غير ذلك من مبرّرات أخلاقية زائفة، للتغطية على هدف مًضمر، أساسه تفكيك دولة، وتدمير بلد، اتضح في ما بعد أنّه كان بريئاً من كلّ تلك الادّعاءات والاتهامات المزعومة، الأمر الذي دوّن صفحة سوداء لا تمّحي من سجلّ الحروب، التي جرت بدوافع توسعية وأطماع مختلفة، إلّا أنّها وقعت، جميعها، تحت رايات أخلاقية بالية.

تكرّر الأمر، وإن بنسخة مُعدلة، عبر سائر فصول المأساة السورية، المستمرّة على هذا الوجه أو ذاك، حيث جرى تبرير التدخلات الخارجية، على اختلاف أشكالها، وفي صدارتها التدخل الروسي عام 2015 تحت ذريعة أخلاقية مماثلة، أساسها الحرب ضد الإرهاب، الذي ضرب الثورة السورية ونال منها، قبل أن تضربها روسيا من الجو، وتهاجمها إيران ومن لفّ لفها على الأرض، وذلك بعد وصم كلّ المشاركين في ثورة الحرية والكرامة بأنّهم إرهابيون ينتمون إلى جماعات تكفيرية، ولا سيما بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإجرامي، وتمكّنه، في وقت لاحق، من الاستيلاء على واجهة المشهد، ومن بعدها تقديم الذريعة المواتية، خصوصاً لروسيا، لإعلاء راية الحرب ضد التكفيريين، بالمبرّرات الأخلاقية ذاتها، تغطيةً على دوافع تشمل نطاقاً أوسع من الرقعة السورية.

هذه الحكاية المضحكة المبكية أخذت تتجلى مجدّداً مع الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي مهدت له موسكو بخطاب ذرائعي مهلهل، قوامُه تحرير الناطقين باللغة الروسية في إقليم الدونباس من الاضطهاد القومي، إلى أن انتهت برفع شعار اجتثاث النازيين الجدد من البلد المجاور، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان ذلك الخطاب المرافق للتدخل العسكري الروسي في سورية، المستند بدوره إلى مزاعم الحرب الدولية ضد الإرهاب، خصوصاً عندما ازداد هذا الشعار بريقاً إثر ظهور تنظيم "داعش" بقوة، واكتسابه قدراً إضافياً من المشروعية، كون محاربة التنظيم الإرهابي محل إجماع، وموضع ترحيب من كلّ الأطراف المتحاربة، بمن فيهم قوى المعارضة السورية المسلحة.

وهكذا، بدا خطاب الحرب ضد النازيين الجدد في أوكرانيا بمثابة استنساخٍ لخطاب الحرب ضد "داعش"، وغيره من الجماعات في سورية، وأتى ملبياً لحاجة روسيا الذرائعية إلى وجود عدو لا خلاف على محاربته بكلّ وسيلة ممكنة، الأمر الذي لا مفر معه من تخليق مثل هذا العدو البغيض، ومن ثمّة تبرير الحرب ضده، أي إلى "داعش" جديد، بسحنةٍ أوروبيةٍ بيضاء وذقون حليقة، وهو ما لا يمكن العثور عليه إلّا في عدو لا جدال في ضرورة اجتثاثه، ولا نقاش في مشروعية الحرب ضده مثل العدو المشترك لأمم أوروبا كافة، ونعني به النازية الهتلرية التي تسببت بالحرب العالمية الثانية، وأوقعت ملايين الضحايا المدنيين في عموم القارّة العجوز.

بالأمس غير البعيد، نجحت روسيا في بيع بضاعتها في سوق السياسة، وأظهرت نفسها قوة محاربة ضد الإرهاب، وفي مقدمته "داعش" الذي كان من حقائق الواقع السوري المرير. ونجحت أيضاً، تحت هذا الزعم، في تدمير الأفران والمراكز الصحية والأسواق الشعبية بوحشيةٍ، إلّا أنّ من سوء طالع الرجل الذي أصابه مسٌّ من جنون العظمة، عقب انتصاره على "أحرار الشام" و"عباد الرحمن"، وغيرهما من الفصائل التي تُركت وحدها تواجه أقدارها، من دون دعم يعتدّ به، أنّ العالم لم يشتر منه، هذه المرّة، البضاعة نفسها، أي الحرب ضد النازيين الجدد في أوكرانيا، إن لم نقل إنّ البروباغندا الروسية الكلاسيكية قد تهافتت أكثر من ذي قبل، وباتت بلا أيّ مصداقية، ولا سيما وهو يقصف المدنيين في كييف وشقيقاتها، أمام عدسات المصوّرين، ويدّعي، في الوقت ذاته، أنّ جحافله جاءت بقضّها وقضيضها لتخليص جيرانه من قيادتهم النازية.

المصدر: العربي الجديد.

 الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".