الحرب الإسرائيلية على العلم الفلسطيني
حزيران 04, 2022

رندة حيدر

الحملة الإسرائيلية الشعواء على رفع الفلسطينيين علم وطنهم جزء من الصراع الذي تخوضه دولة الاحتلال ضد الرموز والهوية والسردية الفلسطينية، ومحاولة واهمة أخرى أنها تستطيع، بالقمع وتشريع القوانين، أن تجبر الفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدودها على التخلي عن هويتهم الفلسطينية.

تجسّدت هذه الحملة في أبشع صورها خلال تشييع مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، عندما هاجمت الشرطة المشاركين في التشييع لرفعهم الأعلام الفلسطينية والنعش الذي كان مغطّى بالعلم الفلسطيني. كما شاهدناها في اعتداء الشرطة الإسرائيلية على فلسطينيين في القدس الشرقية، بينهم نساء وأطفال، لرفعهم أعلاماً فلسطينية، وسبق ذلك وقوع مواجهات في جامعة النقب في ذكرى النكبة بين طلاب فلسطينيين تظاهروا حاملين الأعلام الفلسطينية وطلاب من اليمين اليهودي العنصري المتطرّف حملوا أعلام إسرائيل، الأمر الذي دفع وزير المال الإسرائيلي إلى التفكير بتخفيض ميزانية الجامعة المذكورة، لأنها سمحت بتظاهرة الفلسطينيين. وأخيراً، توّجت هذه الحملة الشرسة ضد العلم الفلسطيني بتصويت الكنيست، أخيرا، بالقراءة التمهيدية، على قرار يحظر رفع العلم الفلسطيني على المؤسسات التي تحظى بتمويل الدولة ودعمها، من بينها الجامعات.

لماذا يخاف الإسرائيليون إلى هذا الحد من العلم الفلسطيني؟ وهل هو فعلاً يشكل خطراً على وجود إسرائيل؟ وهل هذا الخطر دفع أعضاء كنيست من اليمين لتهديد الفلسطينيين بـ"نكبة ثانية"؟ أسئلة طرحها الباحث الفلسطيني، رائف زريق، ليقول إن حرب إسرائيل ضد العلم الفلسطيني هي "محاولة لقمع الاحتجاج على واقع الاحتلال واستمرار نهب الأرض وانعدام الأمل"، وهي محاولة أخرى لمحو وجود شعب فلسطيني.

تبرّر إسرائيل حظرها رفع العلم الفلسطيني بأنه علم دولة معادية. ولكن كيف يستوي هذا الآمر، وهذا هو علم السلطة الفلسطينية التي اعترفت إسرائيل بوجودها، وتتعاون وتنسق أمنياً معها منذ سنوات عديدة؟ يدّعي المسؤولون الإسرائيليون أن رفع العلم الفلسطيني يؤجّج العنف، ويساهم في التحريض ويشجع على الكراهية بين اليهود والعرب. ولكن ماذا يقول هؤلاء عن العنف في مسيرة الأعلام الإسرائيلية التي جالت، في الأسبوع الماضي، شوارع القدس الشرقية، ومرّت بالحي الإسلامي وببوابة نابلس، قبل وصولها إلى حائط البراق، بينما يرقص بعض المشاركين فيها من الحركات الدينية المتطرّفة ويغنون ويهتفون "الموت للعرب"؟ كيف يتصرّف الفلسطيني من سكان القدس الشرقية، عندما يرى إخوته تعتقلهم الشرطة لأنهم رفعوا العلم الفلسطيني، بينما لا تحرّك ساكناً لتوقيف مجموعات المستوطنين، التي استغلت مسيرة الأعلام في القدس للاعتداء على منازل فلسطينيين وأملاكهم، وأطلقت النار عليهم لترهيبهم؟ لماذا لم تتحرّك الشرطة لاعتقال ولو شخص واحد من هؤلاء اليهود المتدينيين المسيانيين الذين يضعون هدفاً مركزياً لهم فرض السيادة الإسرائيلية على الحرم، وصولاً إلى إعادة بناء الهيكل.

تدّعي إسرائيل أن حركة حماس حوّلت الصراع من صراع قومي على الحقوق واسترداد الأرض إلى صراع ديني محوره المسجد الأقصى. ويدافع المسؤولون هناك بأن شيئاً لم يتغير في "الوضع القائم" في الحرم الذي جرى الاتفاق عليه منذ سنوات بين إسرائيل والأردن، الدولة المسؤولة عن حماية الأماكن المقدسة إلى جانب الوقف الإسلامي، والذي يسمح لليهود بزيارة الحرم ويمنعهم من الصلاة فيه. وهذا الكلام غير صحيح. تدرك إسرائيل، منذ سنوات عديدة، أن للمسجد الأقصى حساسية خاصة بالنسبة إلى كل المسلمين في العالم، وله مكانة أساسية في الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل. على سبيل المثال، كانت "زيارة" أرييل شارون الحرم القدسي في سبتمبر/ أيلول عام 2000 سبباً في اندلاع الانتفاضة الثانية التي سمّيت انتفاضة الأقصى. وهي تعرف أن أي خرق للوضع القائم سيكون سبباً لاحتجاجات واضطرابات. وما يجري، أخيرا، يثير قلقاً حقيقياً مع التزايد الكبير في عدد اليهود الذين يزورون الحرم يومياً، ومحاولة بعضهم أداء الصلاة هناك، رغم منع الشرطة لهم. وترافقت هذه المظاهر مع صعود واضح في قوة التيارات المسيانية اليهودية التي تدعو علناً إلى بناء الهيكل الثالث فوق الحرم، وفرض السيادة الإسرائيلية هناك، وازدياد قوة الحركات اليمينية القومية العنصرية، مثل حزب قوة يهودية برئاسة إيتمار بن غفير من أتباع مئير كهانا الذي كان في مقدمة مسيرة الأعلام في القدس.

ولا يمكن عزل هذه الظواهر المقلقة عن الحملة التي تشنها إسرائيل ضد الرموز الفلسطينية، من خلال حظر العلم الفلسطيني، وضد السردية الفلسطينية للصراع من خلال إنكار النكبة وحظر إحيائها. والآن محاولة اليمين اليهودي المسياني فرض السيطرة اليهودية على الحرم القدسي. فهل يدرك هؤلاء المتعصبون العنصريون المتعطشون للدماء أنهم يلعبون بالنار؟

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".