الحرب الصامتة!
آذار 21, 2020

د. وائل نجم

 الانتشار الواسع والعالمي لفيروس "كورونا"، وعدد الإصابات المتزايدة به، جعل منظمة الصحّة العالمية تصنّفه وباءً عالمياً. كما وأنّ أغلب الدول التي أُصيبت بهذا الوباء اتخذت إجراءات وقائية وعلاجية كبيرة وصارمة، وبعضها أعلن حالة الطوارىء لمكافحة الفيروس والحدّ من انتشاره.

عندنا في لبنان، وبعد أنْ فاق عدد المصابين المئة، وبعد وفاة ثلاثة أشخاص ممّن أُصيب بالفيروس، أعلنت الحكومة ما سمّته "التعبئة العامة" أي وفق المصطلح العمول به، حالة الطوارىء الصحّية. وقرّرت أيضاً إقفال المطار والمعابر الحدودية، وهي بالمناسبة فقط مع سوريا، وكذلك المرافىء البحرية، والمرافق العامة حتى آخر آذار الجاري، وتزامن ذلك مع إقفال الإدارات العامة للدولة، والمؤسسات التربوية والاقتصادية الخاصة، وحتى الجامعات والمدارس وغيرها. لم يكن ينقص الإجراءات سوى الإعلان عن منْع التجوّل لأكثر من شخص بالطرقات!! لأن قرار الحكومة مَنَعَ أيضاً التجمعات واللقاءات والمؤتمرات، وشمل الإجراء أيضاً إقفال المطاعم والمقاهي ودور السينما ...

الحقيقة أنّنا في لبنان بتنا نشعر أنّنا نعيش حالة حرب حقيقية، لكنّها هذه المرّة صامتة. والحقيقة أيضاَ أنّ أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، تحدّث في إطلالة له مساء يوم الجمعة (13/3/2020) عن حرب تستهدف محور المقاومة والممانعة، وطلب من اللبنانيين الصمود والصبر في هذه المواجهة، مؤكداً لجمهوره على أنّه سينتصر في هذه المواجهة.

اليوم نحن في لبنان نعيش حرباً صامتة ليس فيها استخدام أو استعمال للطائرات والمدافع والصواريخ. ليس فيها هروب إلى الملاجىء والمخابىء تحت الأرض. ليس فيها نزوح نحو مناطق أخرى. ولكن فيها قلقاً متنامياً وخوفاً لا ينقطع أن يجتاح الفيروس كل المناطق، وكل العائلات، وكل الأفراد، وكل شيء في هذا البلد!! لكن فيها حبس الناس لأنفاسهم وأنفسهم في المنازل والبيوت وهم يترقبون ماذا يجري، وكم وصل عدد الإصابات، وأين وصل انتشار الفيروس "اللعين"!! فيها تهافت الناس لشراء الحاجات الاساسية والضرورية وقد بدأت هذه الحاجات بالنفاد من الأسواق والمجمّعات التجارية. فيها تعطيل كل مفاعيل الحياة الاجتماعية من فرح وسرور أو حزن وعزاء!! فيها كل هذه الأمور في ظل أزمة اقتصادية ومالية خانقة حيث يعيش البلد أسوأ أيامه الاقتصادية والمالية في ظل انهيار سعر الليرة أمام العملات الأخرى. وفي ظل الامتناع عن سداد الديون مع ما يعنيه ذلك من محاذير أو عقوبات اقتصادية قد تجعل الوضع المالي في البلد ينهار بشكل كامل.

ربما هذه الحرب الصامتة تدور رحاها في أغلب دول العالم التي اتخذت إجراءات ممتثلة للإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية، إلاّ أنّ الوضع المالي والاقتصادي الذي يمرّ به لبنان في هذه المرحلة زاد من حجم وتأثير وقدرة هذه الحرب الصامتة التي باتت تذبح اللبنانيين بـ "القطنة" بدل أن تذبحهم بـ "السكين"، وما من أحد يدري إذا كانوا فعلاً سينتصرون في هذه الحرب الصامتة، أو بالأحرى في هاتين الحربين الصامتتين أم ترى ستكونان أقوى من حروب المدافع والصواريخ.