الحرب النفطية: خسارة المناخ.
نيسان 11, 2020

بيار عقيقي.

طرحت الحرب النفطية الدائرة في الفترة الأخيرة بين روسيا والسعودية ومشاركة الولايات المتحدة، إشكالات عدة بشأن إمكانية التحوّل إلى "عالم ما بعد النفط". تكفي مراقبة كيفية تحرّك أسعار النفط وتدهورها إلى مستويات منخفضة، نادراً ما عهدتها من قبل بهذه الكثافة، ثم تدخّل الأميركيين وتلويحهم بسحب قواتهم من السعودية، بحجّة أن أسعار النفط الحالية أضرّت بشركات الطاقة الأميركية التي تعاني أصلاً، كباقي الاقتصادات الكبرى، من وباء كورونا وتأثيره السلبي على الحركة التجارية والطلب على النفط.

بناءً على حجم التدخل الأميركي ـ الروسي الكبير، في تحالف ضمني، هل يمكن اعتبار أن الحاجة إلى النفط عالمياً ستستمر فترة طويلة جداً، لا لعقود قليلة فقط، قبل التحول الكامل إلى "الطاقة البديلة"؟ وإذا كانت المصادفة، أو تأثيرات كورونا، قد شرّعت الباب أمام طرح هذه المسألة، من بوابة صدام سعودي ـ روسي، فإلى أي حدّ يمكن الشروع في العملية الانتقالية من استخدام الوقود التقليدي إلى الطاقة البديلة؟ بالتالي، متى تبدأ الدول الصناعية الكبرى باستيعاب حقيقة أن التغيّر المناخي لن يكون بعيداً عنها وسيؤثر سلباً على إنتاجاتها؟ في الواقع، يبدو المسار أطول مما يُمكن تخيله، فردّ الفعل الأميركي والروسي واضح في هذا الصدد: الاعتماد على النفط سيستمر أطول فترة ممكنة. ربما قد يستمر حتى نضوب مصادر هذه الطاقة مع أواخر القرن الـ21، أي أن عالمنا لن يشهد التحوّل الفعلي من النفط إلى الطاقة البديلة، على الرغم من بعض المحاولات المجتمعية.

يكشف تمسّك الروس والأميركيين، وطبعاً خلفهم الصينيون والأوروبيون، بالنفط مصدرا للطاقة، مدى رفضهم تغيير أنظمة الصناعة الحالية من جهة، وتركيزهم على ما يعتبرونه "الربح السريع" من جهة أخرى. مع العلم أن عملية التحوّل من النفط إلى الطاقة البديلة لن تضرّ أحدا، على الرغم من أنها ستخفف من جشع رأسمالي عام، لكنها ستسمح بتوفير فرص إضافية لنجدة العالم اليوم، لا الكوكب، لأن الكوكب سيستمر في القرون اللاحقة، أما البشرية فقد لا تستمرّ، إذا ظلّ الرأسماليون متمسكين بالنفوذ الصناعي.

دائماً ما تسمح الأزمات ببروز نوعياتٍ جديدة من التفكير، مبنيةٍ على متغيراتٍ جذرية ما، تفسح المجال لترجمة وعود كانت أشبه بأحلام بعيدة. مثلاً، يريد المرء تغيير منزله، لكنه لا يملك المال اللازم ولا القدرة على تنفيذ ذلك، وفقاً لوجهة نظره، ثم يحصل أمرٌ ما، كتفجّر أنابيب المياه في البيت أو حصول انهيار جزئي في المبنى، حينها يُصبح التفكير أكثر عملانيةً وقدرةً على تحقيق التغيير المطلوب، حتى أن السعي إلى الحصول على موارد تموّل عملية الانتقال إلى منزل آخر ينجح. أما الذي حصل في السوق النفطي، بين الروس والسعوديين والأميركيين، فهو أن هذا الشخص، ارتأى أن يعود إلى منزله المفكّك، وتصليح ما أمكن من أنابيب المياه المتفجرة فيه، فقط لعدم إيمانه بقدرته على تنفيذ العملية الانتقالية من الاعتماد على النفط إلى الاعتماد على الطاقة البديلة. ما الذي يعنيه هذا الأمر؟ يعني أن انهيار المنزل عموماً بات أقرب من أي وقت مضى، لأن السكن في منزل مرمّم بصورة عشوائية، يمهّد لسقوطه بصورة أكبر. ولكن هل يفهم الصناعيون الكبار هذا الأمر؟ طبعاً لا.

لننظر إلى الأمور من وجهة نظرهم: "لا يمكن تحقيق الانتقال الطاقوي لأنه مكلف لنا ويحتاج إلى وقتٍ كثير، كما يعني تخفيف القدرة الإنتاجية، وبالتالي تخفيف الأرباح. أما الكوكب فلا نهتم لأمره، لأننا لن نعيش سوى بضع سنوات على الأكثر. فليعمل غيرنا أو من يلينا على تحقيق هذا التغيير". بكل بساطة، هذا النوع من التفكير سيستمرّ، لأن كل جيل صناعي سيفكر كما فكر سابقه، إلى أن يقع المحظور. مع العلم أنه على الرغم من كل سلبيات وباء كورونا، إلا أنه سمح للبشرية بالتوقف لحظة لتقرير مستقبلها. وهذه اللحظة لن تعو

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".