الحريري كما يشتهيه باسيل.. ولا عزاء لـ"الحلفاء".
آب 24, 2019

منير الربيع.

في كل مرّة تأتيه الفرصة ليستعيد من خلالها التوازن في السياسة وفي الحكم، وتواتيه اللحظة السانحة لاستثمار مكانته بيديه الممدودتين إلى الأطراف المتناقضة، وبكونه قوياً لأنه حاجة للجميع.. لا يفعل الرئيس سعد الحريري إلا تبديد هكذا فرصة. فحتى ولو كان أصلاً لا يطمح لهكذا "فرصة" خوفاً من أن يربحها ليجد نفسه وقد خسرها لاحقاً، إلا أن حقائق الواقع توحي أنه مبدد للفرص.

وجع الرأس

ربما يكون الحريري أكثر سياسي أضاع فرصاً، كانت مواتية له ليحقق انجازات سياسية وغير سياسية. الفرصتان الأخيرتان، كانتا بعد أحداث قبرشمون، وبعد زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية. لكن الواضح أن الرجل لا يريد الاجتهاد في ممارسة السياسة، ولا اتقان فن المناورة لتحسين موقعه وشروطه وأدائه.

"فرصة" قبرشمون، كانت قابلة لأن تُستثمر من قبله على نحو هائل، يحفظ من خلالها التوزان بين طرفي الصراع في لبنان، ويحمي موقعه ويعزز نهجه السياسي، ويواجه بذلك كل محاولات التطويع أو الاستحواذ على صلاحياته أو تعطيلها، وينهي تلك البدع من نوع اللقاءات والمجالس المخترعة خارج مجلس الوزراء. لكن – على ما يبدو - حساباته في مكان آخر. هو لا يريد التوازن ولا يراهن عليه، لأنه "يتسبب بوجع في الرأس" وفق عبارته الشهيرة عن العمل السياسي، هو بغنى عنه في هذه المرحلة. وربما الرجل يعتقد أن موازين القوى الإقليمية واضحة باختلالها الكبير، فلا واجب عليه تحسين حاله ولا طاقة لديه سوى التسليم بالقدر، والبقاء في طريق التنازل. ففي المحصلة، النزول أسهل من الصعود، طالما أنه يؤدي إلى برّ الأمان، بغض النظر عن الثمن.

طمأنينة وتمنيات

أما الفرصة الثانية بعد زيارته الأميركية، فلم يرد الحريري أن يستثمرها أكثر مما يحتمله الآخرون، كي لا يزعجهم أو يغضبهم. هكذا، سيبقى حاجة لمختلف القوى، وإن ليس من موقع القوة. أيضاً، يريد لرأسه أن يبقى مرتاحاً، فلعلّ التنازلات تطمئن خصومه وتبدد مخاوفه وهواجسه من أي صدامات لا يحبذها ويتجنبها باستمرار، ويحقق بذلك ما يصبو إليه. أي أن يستمر في رئاسة الحكومة، ويضمن الحصول على مساعدات دولية، ويتجنب الوقوع في كوارث التصنيف السلبي. عدا عن ذلك، لا بأس بالتنازل عن عمل مجلس الوزراء، لصالح اجتماعات مالية اقتصادية، أمنية وقضائية، في قصر بعبدا.

بعد أزمة حادثة الجبل، اتخذ الحريري موقفاً قوياً وصلباً، لقي على إثره تعاطفاً شعبياً ووطنياً، وأعاد استنهاض بيئته المحبطة. لكنه فيما بعد ضاق ذرعاً بالتعطيل والانتظار. وكاد أن يتراجع، لولا نجاح وليد جنبلاط في تحسين شروطه، ورفضه الذهاب إلى جلسة للحكومة بشروط رئيس الجمهورية، فتمت المصالحة. وخلال زيارته الأميركية، خصوصاً زيارة وزير الخارجية إلى مزرعته، علّق كثيرون الآمال على نتائج زيارة الحريري، لعلّها ستعيد إحياء ما كان يسمى تحالف 14 آذار. لكن هذه كانت مجرد تمنيات وقراءات غير واقعية للمجريات السياسية.

وبالعودة إلى لقاءاته الأميركية، تفيد مصادر متابعة بأن الأميركيين في اليوم الأول لم يكونوا راضين عن المنطق الذي تحدث به الحريري، والذي أيضاً أثار انزعاجاً سعودياً، من إصراره على السير بالتسوية على ما هي عليه، واعتقاده أنه لا يمكن مواجهة حزب الله، على الرغم من إبلاغه بأن العقوبات ستتوسع أكثر. بينما هو أبدى حرصاً على عدم فرض هذه العقوبات كي لا تنعكس سلباً على الوضع اللبناني برمّته. موقف الحريري هذا ينمّ عن قناعة لديه أن الأميركيين لن يعمدوا إلى التصعيد مع حزب الله وإيران. ولذلك، هو يفضل أن يبقى بمنأى عن كل الصراع القائم حالياً، ويتموضع في المنطقة الآمنة، لا سيما أنه تعرض للكثير من الخذلان في المراحل السابقة.

سوء تفاهم وتراجع

هو يعلم أن الأميركيين يريدونه في لبنان من ضمن أوراق قوتهم، وحضورهم على الساحة اللبنانية. ولذلك، كانت زيارة بومبيو إلى مزرعته إشارة إيجابية بهذا المعنى، أي التعويل على دوره كوسيط لإنجاز العديد من الملفات العالقة مع حزب الله، وأهمها ملف ترسيم الحدود. وهذا ما دفعه لاعلان نيته نقل هذا الملف من يد الرئيس نبيه برّي إلى مجلس الوزراء. الأمر الذي أزعج برّي إلى حدّ كبير. إذ أبدى استياءه من أسلوب الحريري، وأكد أنه يرفض هذا الأمر بشكل قاطع. وكان برّي يظن أنه على تفاهم مع الحريري قبل ذهابه إلى واشنطن حول بقاء الملف بيده، وأن المفاوضات تتجدد من حيث توقفت، أي الالتزام بالشروط اللبنانية. إلا أن بري فوجئ بموقف الحريري.

سوء التفاهم والتراجع سيؤدي أيضاً إلى المزيد من إضعاف الحريري، خصوصاً أن برّي سيتشدد مع حزب الله في هذا الملف. وهناك رسائل سيتم إيصالها للحريري، أن لا إمكانية للتنازل عن هذا الملف مهما كانت الضغوط، ومهما ظنّ البعض بأن الضغوط المالية والعقوبات قد تدفع حزب الله للتسليم بهذا الملف، تحت شعارات ووعود مالية. الأمر بالنسبة إلى الحزب يتربط بتطورات إقليمية واستراتيجية.

الاستئناس بالتطويق

وبالتالي، فإن موقف الحريري في واشنطن لم يسعفه في استخدام أوراق القوة التي كان بإمكانه أن يجيد إدارتها، ما يعني خسارة هذه الفرصة الجديدة، كما هو الحال بالنسبة إلى خسارته لفرصة تشكيل قوة توازن استثنائية مع وليد جنبلاط ونبيه برّي وسمير جعجع. وهذا ما سيضعه مجدداً في خانة التطويق من قبل بري وعون وحزب الله، سواء في ملف ترسيم الحدود، أو في ملفات اقتصادية ومالية وقضائية يمسك بها رئيس الجمهورية، أو بملف التعيينات الذي يمسك به الوزير جبران باسيل.. وكانت نتائجه سريعة الظهور، خلال اللقاء الذي عقد بينهما عشية جلسة مجلس الوزراء، ما دفع بالحريري إلى النكث بوعده الذي أعطاه للقوات اللبنانية في تعيين مرشحها في المجلس الدستوري، لصالح رغبات باسيل.

هذا يؤكد مجدداً ان الحريري الذي أبلغ "القوات" لدى مراجعته، التزامه بالاتفاق مع باسيل، ولن يكون قادراً على فعل أي شيء لهم، أنه لا يريد الخروج من دائرة عون وباسيل، ولا يسعى إلى تحقيق توازن سياسي في البلد.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".