الحكومة تواجه اللحظة المفصليّة .. فكيف سيكون قرارها؟
أيار 16, 2019

الدكتور وائل نجم.

بعد قرابة اثنتي عشرة جلسة عقدتها الحكومة وخصصتها لمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2019، والتي أرادت أن تلحظ فيها خفض العجز العام، ها هي الحكومة تصل إلى اللحظة المفصلية التي يجب أن تتخذ فيها القرار الذي تظنّه وتراه مناسباً للمرحلة الحالية , والظروف التي يمرّ فيها البلد.

أراد رئيس الحكومة، ومعه وزير المال أن يشركا القوى السياسية الممثّلة في الحكومة تحمّل مسؤولية إقرار الموازنة العامة، مع أنها فعلياً من اختصاص وزارة المال بالدرجة الأولى، إلا أن الظروف والشروط التي تطلبت خفض العجز، وما يمكن أن يستتبعه ذلك من خفض الإنفاق، فرض على رئيس الحكومة وعلى وزير المال إشراك القوى السياسية كافة في حمل المسؤولية، ومن هنا عُقدت الجلسات الماراتونية للحكومة في السراي الحكومي، وناقشت بشكل تفصيلي وفيه نوع من الإسهاب الموازنة العامة، بل وموازنة كل وزارة ومؤسسة من الوزارات والمؤسسات، وسقطت خلال النقاشات العديد من الأطروحات، وأقرت العديد الأخرى منها، وقد جرى كل ذلك بشكل متزامن مع التحركات في الشارع، التي قادها هذه المرة بشكل أساسي المتقاعدون من الإسلاك العسكرية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام، فضلاً عن الموظفين الآخرين في بقية القطاعات.

يوم الثلاثاء الماضي وصلت الحكومة إلى لحظة الحقيقة بعدما جرى اعتماد ميزانية معظم الوزارات والإدارات، وقام زير المالية بإعداد تقرير مختصر عن أبرز ما تم إقراره والاتفاق عليه وصولاً إلى تقدير حجم العجز الذي تمّت معالجته، إلا أن الحكومة والوزراء، والجميع أدرك ويدرك أن كل هذه القرارات التي اتخذت في كل القطاعات لا تفي بالغرض والحاجة الأساسية التي ينبغي أن تقلص العجز بشكل أفضل، وبالتالي فإن وزير المال، علي حسن خليل، أشار إلى أن الحكومة ستلجأ إلى النظر في مسألة رواتب الموظفين في القطاع العام، وإلى بقية المكتسبات والحقوق التي أقرت لهم سابقاًفي حال لم تف الأرقام بتغطية العجز. وهذا ما جعل الموظفين في القطاع العام يخشون من مواجهة لحظة الحقيقة أيضاً بحيث يتم تقليص حجم المكتسبات التي يعتبرونها حقاً مقدساً.

والحقيقة أن كلاً من الحكومة والمتقاعدين يجب أن يواجهوا لحظة الحقيقة الصادقة. الحكومة يجب أن تدرك أن إقرار الموازنة يجب أن يأخد بالاعتبار جملة قضايا من بينها مسألة حقوق الموظفين العاديين ومستوى المعيشة الذي بلغته البلد. والمتقاعدون وبقية الموظفين يجب أن يدركوا حقيقة أن البلد يواجه أزمة مالية واقتصادية حادة بحيث إذا لم يتم التعامل معها بروح المسؤولية والعمل من أجل استمرار البلد، فأن البلد سيكون مهدداً بلإفلاس والإنهيار، وبالتالي فإنه لن يبقى لهم بلد حتى يطالبوا ببعض المكتسبات المعروفة.

إلا أن مواجهة لحظة الحقيقة والقرار ليس سهلاً على كلا الاثنين. فالحكومة لا تريد أن تكرّس منطق الثورة في عملية الإصلاح والتغيير، لأن من شأن ذلك أن يشجع على المزيد من التحركات كل فترة من الزمن. والموظفون والمتقاعدون يريدون أن تحلّ المسألة دون أن يتحملوا أية مسؤولية أو أن يقدموا أية تضحية مع أن وضعهم قياساً بوضع العاملين في القطاع الخاص يعتبر أفضل بكثير.

لحظة الحقيقة هذه يجب أن تقنع كلا الطرفين، وكل الأطراف بوجوب التضحية وتقديم بعض التنازلات، ولكن دون أن ينسى أحد أن الحل الحقيقي لكل هذا العجز والتراجع يكون عبر المكافحة الجدّية للفساد والفوضى، وعبر منع التهرّب الضريبي، وضبط التهريب، وقبل كل ذلك التخلّي من منطق المحاصصة والطائفية البغيض.