الدراما في تل أبيب والبهجة في واشنطن
حزيران 04, 2021

أسامة أبو ارشيد
إذا نجح تحالف اليمين والوسط واليسار الإسرائيلي، فعلاً، في تشكيل ائتلاف حكومي جديد يطيح سيطرة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، على الحياة السياسة على مدى الاثني عشر عاماً الماضية، فإنهم سيُقابلون بارتياح كبير في أوساط الإدارة الأميركية، ولكن من دون إبداء مظاهر الفرح والاحتفال. لا توجد معطيات، حتى الآن على الأقل، بأن إدارة الرئيس جو بايدن ساهمت في جهود محاولة طيِّ صفحة نتنياهو، ولكن الأكيد أنها، وعلى عكس إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، لم تسع إلى مساعدته وتعزيز موقفه سياسياً وشعبياً.
وكانت إسرائيل قد خاضت ثلاثة انتخابات تشريعية غير حاسمة خلال فترة إدارة ترامب، بدءاً من أبريل / نيسان 2019، مروراً بسبتمبر / أيلول من العام نفسه، ثمَّ في مارس / آذار 2020. وفي كل مرة، حصل نتنياهو على دعم سخيٍّ من ترامب الذي افتتح عهده بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، في ديسمبر / كانون الأول 2017. ثمَّ قطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في سبتمبر/ أيلول 2018. ووقف كل المساعدات الإنسانية عن الفلسطينيين، في فبراير/ شباط 2019. وبعد ذلك اعترف بضم إسرائيل للجولان، في شهر أبريل/ نيسان 2019. ثمَّ تراجع إدارته، في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، عن الرأي القانوني الذي كانت تتبناه الولايات المتحدة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، القائل إن بناء إسرائيل "مستوطنات مدنية" في الضفة الغربية "يتعارض مع القانون الدولي". وصولاً، إلى إعلان ما تعرف بـ"صفقة القرن"، في يناير/ كانون الثاني 2020، والاعتراف بـ"حق" إسرائيل بضم 30% من الضفة الغربية المحتلة. وختم ترامب ذلك كله بالإشراف والدفع بموجة جديدة وواسعة من التطبيع العربي مع الدولة العبرية، كما في حالات الإمارات والبحرين والسودان والمغرب.
كانت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الرابعة، في مارس / آذار الماضي، غير حاسمة أيضاً، ولكنها جرت وبايدن في البيت الأبيض. على غير ما اعتاده نتنياهو في المرّات الثلاث السابقة. لم تكن هناك هدايا أميركية مجانية هذه المرة، بل لم يبادر بايدن إلى الاتصال به إلا بعد مضيِّ شهر، تقريباً، من تسلمه الرئاسة. على المستوى الشخصي، فإن علاقة بايدن ونتنياهو قوية وقديمة. وعلى المستوى السياسي، بايدن منحاز بشكل مطلق لإسرائيل، وهو كان وصف نفسه، عام 2007، بأنه "صهيوني". تعابير ذلك واضحة وكثيرة منذ أصبح رئيساً. يكفي التذكير هنا بالتزامه بقرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والإبقاء على السفارة الأميركية فيها، غير أن في العلاقة بين بايدن - نتنياهو شوائب كثيرة أيضاً. هو لم ينس له إفشاله جهود إدارة باراك أوباما التي كان فيها بايدن نائباً للرئيس، لإنجاز تسويةٍ مع الفلسطينيين. كما أن بايدن لم ينس كيف تحالف نتنياهو مع الجمهوريين، عام 2015، في محاولةٍ لتعطيل الاتفاق النووي مع إيران. والأهم، أن بايدن، كما الديمقراطيين، نظروا بعين السخط إلى التماهي التام بين ترامب – نتنياهو، في الوقت الذي كان فيه الأول يتهمهم بأنهم تحوّلوا إلى محضن لمعاداة السامية وكراهية إسرائيل.
تضاعف استياء بايدن من نتنياهو جرّاء محاولاته عرقلة جهود إدارته العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، والذي كانت إدارة ترامب خرجت منه عام 2018. جاء بايدن بأولوياتٍ مختلفةٍ إلى البيت الأبيض. داخلياً، تعاني الولايات المتحدة انقساماً مجتمعياً وسياسياً حادّاً بعد أربع سنوات من حكم ترامب. كما أنها لا زالت تعاني من وطأة جائحة كورونا وتداعياتها اقتصادياً، والذي يحاول بايدن إعادة إطلاقه. وعلى صعيد السياسة الخارجية، لواشنطن أولويتان كبريان اليوم: احتواء الصين الصاعدة، قوة اقتصادية وعسكرية عالمية. والتصدّي لمحاولات روسيا إعادة فرضها نفسها على الخريطة الدولية. هذان هما أهمُّ تَحَدِّيَيْنِ جيوسياسيين يواجهان الولايات المتحدة. لذلك هي تريد الانسحاب من أفغانستان، والعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وإنهاء حرب اليمن وذلك كي تتفرّغ لهما. وآخر شيء كانت تريده إدارة بايدن هو العودة إلى الشرق الأوسط الذي لا يشكل أولوية لديها، بما ذلك ملف التسوية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لكن، وبغض النظر عن مقاربات واشنطن للشرق الأوسط، إسرائيل قادرة دائماً على إفسادها، وبالتالي إفساد بعض مقارباتها الإستراتيجية الأوسع المرتبطة بها. هذا ما جرى تحديداً في التصعيد الإسرائيلي على مدى الأشهر الماضية في القدس المحتلة، وتحديداً في حيِّ الشيخ جرّاح، ثمَّ الاعتداء على المصلين في المسجد الأقصى مطلع الشهر الماضي (مايو/ أيار)، وصولاً إلى شنِّ عدوانها الوحشيِّ أخيرا على قطاع غزّة. صحيح أن بايدن دعم ما سماه "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وصحيحٌ أن إدارته أجازت، في خضم العدوان على الفلسطينيين، أسلحة لها بقيمة 735 مليون دولار، إلا أنه هو من أرغم نتنياهو، في نهاية المطاف، على إيقاف الحرب.
لذلك، اتفاق زعيمي حزب "يوجد مستقبل"، يائير ليبيد، وحزب "يمينا"، نفتالي بينت، مع خمسة أحزاب أخرى، على تشكيل حكومة ائتلافية، بهدف التخلص من نتنياهو، كان بمثابة هدية لإدارة بايدن. وهذا لا يعني أن بينت، الذي سيتولى رئاسة الوزراء في العامين الأولين، إن سارت الأمور كما ينبغي، أقلّ تطرّفاً من نتنياهو. على العكس من ذلك، هو على يمينه، سواء في ما يتعلق بالاستيطان والتسوية مع الفلسطينيين، أم في الموقف من الملف النووي الإيراني. إلا أن الجديد هنا أن هذه الحكومة الائتلافية، إن رأت النور، ستكون رهينة تناقضات أطرافها المختلفة. هناك اليمين، مثل حزب "أمل جديد" بزعامة جدعون ساعر، و"إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان، فضلاً عن أحزاب دينية واستيطانية. وهناك أيضاً الوسط، كحزب "يوجد مستقبل"، واليسار، كحزبي العمل وميرتس. وهم جميعهم بحاجةٍ إلى دعم القائمة العربية الموحدة، برئاسة النائب منصور عباس، بغض النظر عن مشروعية موقفه هنا. وهذا سيعقّد من جهود بينت لو أراد الاصطدام مع إدارة بايدن بشأن الملف النووي الإيراني، أو حتى التوسع الاستيطاني الواسع في الضفة الغربية. تأمل واشنطن أن يساهم وجود ليبيد المفترض على رأس وزارة الخارجية، في العامين المقبلين، في إعادة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية إلى سكّتها المؤسسية بين دولتين، كما كانت عليها قبل حقبة ترامب – نتنياهو. كما تأمل مؤسسة الحزب الديمقراطي التقليدية في أن يساهم ليبيد، سواء وزيرا للخارجية، أم بعد عامين، رئيسا مفترضا للوزراء، بدعم من اليسار الإسرائيلي، في إعادة الحميمية إلى العلاقات المشتركة التي تضرّرت كثيراً في سنوات حكم نتنياهو منذ عام 2009. منذ ذلك الحين، تصاعد نفوذ التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي الناقد لإسرائيل، في مقابل تصاعد تأثير التيار الإنجيلي في الحزب الجمهوري، المتحالف عضوياً معها.
باختصار، تتطلع إدارة بايدن إلى فسحةٍ زمانية ومكانية، ولو مؤقتة، في علاقاتها مع إسرائيل، للتفرّغ لأولوياتها الأخرى الأكثر ضغطاً، غير أن هذا ليس بالأمر المضمون. لا زال نتنياهو، على الأقل إلى الآن، يتزعم أكبر كتلة برلمانية، هي الليكود، ولو كان في موقع المعارضة، اللهم أن ينتهي به الأمر في السجن بتهم الرشوة والفساد وخيانة الأمانة. ولا زالت حظوظ استمرار الائتلاف الحكومي الجديد، إن كتب له النجاح، محلّ شك. وفي كل الأحوال، مجرّد توسل الولايات المتحدة تغييراً داخلياً في إسرائيل للتمكّن من السيطرة على جموحها، أو الحدِّ منه، مؤشّر على الخلل في العلاقة بين الطرفين. الأصل أن الدولة العبرية هي من تعتمد في وجودها على أميركا، ولكنها كثيراً ما تتصرّف وكأنها هي من يملك القرار في واشنطن عندما يتعلق الأمر بكثير من ملفات الشرق الأوسط.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".