الربيع العربي والفضاء العمومي.
شباط 04, 2021

محمد أحمد بنّيس.

شكّل الفضاء العمومي، دائما، أولوية مركزية بالنسبة للدولة الوطنية العربية على اختلاف توجهاتها الإيديولوجية والسياسية. وظلت الهيمنة عليه في قلب الصراع السياسي على مدار عقود طويلة. ولم تكن هذه الدولة تسمح باحتلاله وتوظيف موارده خارج الدعاية لخياراتها وترويجها.

وعلى الرغم من أن الأنظمة الحاكمة نجحت، بدرجات متفاوتة، في إقصاء الخطابات المضادّة لها من الفضاء العمومي، إلا أن تكاليف ذلك كانت باهظة، خصوصا بعد صعود خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان في نهاية الثمانينيات، والانسداد السياسي العام، وإخفاق مشاريع التنمية، وغياب بوادر عقود اجتماعية جديدة تنقل شعوب المنطقة إلى طور الحرية والديمقراطية.

وبقدر ما كانت تظهر أشكال جديدة للتعبئة الاجتماعية، كانت مخاوف هذه الأنظمة تتنامى من فقدان هيمنتها على الفضاء العمومي. وجاء الربيع العربي ليعلن نهاية هذه الهيمنة، بعد أن نجحت الأجيال الجديدة في تغيير المعادلة. وقد أفضى ذلك إلى ظهور أشكالٍ احتجاجيةٍ جديدة تتوسّل بالسلمية، وتوظف الفورة التكنولوجية في التعبير عن تطلع فئات اجتماعية واسعة نحو التغيير المنشود، بعد إفلاس المؤسسات الوسيطة التقليدية التي بقيت مرتهنة لحسابات السلطة.

نجح الاحتجاج الجديد في قلب معادلة الفضاء العمومي في أسابيع قليلة، وحوّله إلى حلبةٍ مفتوحةٍ للنقاش العمومي، بشكل بدت معه السياسةُ العربية وكأنها تولد من جديد بعد سنوات طويلة من الاستبداد والقمع والاجتهاد في تجفيف منابع السياسة. وقد لا يكون مبالغةً القول إن تجربة ميدان التحرير في القاهرة مثلت إحدى أكثر التجارب العالمية أهميةً في استعادة الفضاء العمومي من هيمنة السلطة، وتوظيف موارده بشكل سلمي ومتحضّر، والوعي بمخاطر الانجرار إلى العنف، هذا فضلا عما أتاحه هذا الفضاء من إمكانية لمطارحة قضايا السلطة والثروة والهوية وغيرها. وقد كشف ما حدث في ميدان التحرير، وميادين عربية أخرى، زيف الأسطوانة المشروخة للأنظمة بشأن ''استغلال المتآمرين والمندسّين هذا الفضاء لأجل تنفيذ أجندات خارجية معادية للوطن''. فلم تعد الاحتجاجات تتوازى مع أعمال العنف والفوضى، كما كان يحدث قبل سنوات خلت، وأضحت السلميةُ عنوانها الأكثر دلالة، الأمر الذي سحب البساط من تحت هذه الأنظمة والقوى الاجتماعية المصطفة حولها. ولعل هذا ما يفسر، إلى حد كبير، حالة الرعب التي تعيشها، حاليا، من عودة الحرارة إلى الفضاء العمومي، على الرغم مما يقدمه لها محور الثورة المضادّة من دعم سياسي ومالي وإعلامي.

أصبحت هذه الأنظمة تجد صعوبة بالغة في إحكام قبضتها على الفضاء العمومي، بعد أن تداعت جدران الخوف في المنطقة. وعلى الرغم مما بذله إعلامُ هذا المحور من جهود لتسفيه الثورات العربية، وتقديم صورة سوداوية عنها، مستغلا ما آلت إليه الأوضاع في سورية واليمن وليبيا، إلا أن ذلك لم يجتثّ بذرة الاحتجاج، وهو ما تؤكّده الموجة الثانية من الربيع العربي التي شهدتها المنطقة في 2019.

ومن المفارقات الجديرة بالملاحظة أن إخفاق معظم هذه الثورات في التحوّل السلمي والمتدرّج نحو الديمقراطية، لم يرافقه انكماش الفضاء العمومي المضاد، سيما في ظل ما تقدّمه مواقع التواصل الاجتماعي من بدائل موازية في هذا الصدد. بل على العكس، أصبح هذا الفضاء، خلال العقد الأخير، أكثر حيوية وقدرة على إنتاج صيغ متطوّرة للفعل الاحتجاجي.

كشف الربيع العربي دور الفضاء العمومي في إعادة تحديد ماهية السياسة، بما هي انخراط المجتمع، بمختلف مكوناته في قضايا الشأن العام. فقد طالب المحتجّون في الميادين والساحات بحقهم في المشاركة في تدبير (إدارة) هذا الشأن، بما يعنيه ذلك من ضرورة المرور نحو عقود اجتماعية جديدة تعيد صياغة علاقات القوة السائدة على صعيدي السلطة والثروة، فلم يعد بالإمكان القبول باستئثار نخبة أو أسرة أو طائفة أو قبيلة باحتكار إدارة هذا الشأن والتحكّم في موارده. ولا يصبّ هذا التحوّل في التعاطي مع السياسة في مصلحة النخب الحاكمة التي ترى في ذلك تهديدا لسلطتها على المدى البعيد.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".