الساحة الإسلامية اللبنانية وحكومة مواجهة التحدّيات.
شباط 20, 2020

د. وائل نجم.

عندما كُلّف الرئيس حسّان دياب تشكيل الحكومة سُئل عن زيارة دار الفتوى ولقاء المفتي، فأجاب إنه سيزور الدار في الوقت المناسب عندما تأخذ الحكومة الثقة. كان واضحاً في حينه أنّ أبواب دار الفتوى لم تكن مفتوحة أمام ديّاب، وأنّ الرجل اختار جواباً دبلوماسياً أبقى الباب مفتوحاً معها، خاصة وأنّه سمع من سبقه بالترشّح إلى منصب رئاسة الحكومة يصرّح من على درج الدار أنّه ليس هناك مرشح لرئاسة الحكومة سوى سعد الحريري.

وبعد نيل الحكومة الثقة فتحت قنوات التواصل بين الرئاسة الثالثة التي باتت أمراً واقعاً وبين صاحب السماحة والدار، وجاء دور الباب الذي تركه دياب مفتوحاً ليلج منه إلى المؤسسة ويلتقي رئيسها الذي قال كلاماً واضحاً بأنّ "الرئيس دياب بات رئيس وزراء كل لبنان". ثم لاحقاً استقبل المفتي وزير الداخلية الذي جرى الحديث خلال فترة تشكيل الحكومة عن "فيتو" على اسمه من قبل الدار.

كما أنّ الرئيس ديّاب لم يبادر بأي شيء سلبي تجاه رئيس تيار المستقبل سعد الحريري على الرغم مما ناله من جمهور التيار، ولعلّ الرئيس الحريري أيضاً لم يوجّه انتقاداً لااذعاً لدياب خلال ذكرى اغتيال والده في 14 شباط.

وفي موازاة العلاقة مع هذين الموقعين المؤثرين في الساحة الإسلامية في لبنان، لم يبادر دياب نحو القوّة الشعبية المغيّبة عن المجلس النيابي المتمثّلة القوى الإسلامية ولا سيما منها العامود الفقري، الجماعة الإسلامية، على الرغم من حاجته إلى الغطاء الشعبي "السنّي" في رئاسة الحكومة. وفي مقابل ذلك فإن الجماعة الإسلامية، وعلى الرغم من موقفها المساند للحراك الشعبي في إطاره الحضاري السلمي، وعلى الرغم من دعوتها إلى التغيير من خلال انتخابات مبكرة وقانون انتخاب جديد، إلا ّ أنّها لم تبادر دياب أيضاً بأية سلبيّة. فهي عندما تمّ تكليفه انتقدت الطريقة والآلية، وهو نقد في جوهره للرئاسة الأولى التي عطّلت وأخّرت وتدخلت في مسألة الاستشارات النيابية الملزمة، ولم تنتقد الجماعة الرئيس المكلّف. وكذلك فعلت عندما تمّ الإعلان عن تشكيل الحكومة، فقد انتقدت الجماعة تدحخّل القوى السياسية في عملية التأليف، ولكنها أعطت فرصة لتثبت الحكومة حياديتها واستقلالها وكفاءتها في مقاربة الملفات. وهذا الموقف أيضاً تجدّد تقريباً عند نيل الحكومة للثقة.

اليوم وفي ظل التحدّيات التي تواجه لبنان، والساحة الإسلامية فيه، يجري البحث والحديث عن شكل العلاقة التي يجب أن تقوم في أطراف هذه الساحة حتى لا تخسر مزيداً من دورها وحضورها كما يحلو للبعض أن يقول.

الرئيس دياب مطالبٌ اليوم بمزيد من الانفتاح على ساحته التي يمثلها في النظام الحالي بموازاة المزيد من تأكيد الاستقلالية ورفض هيمنة أي طرف على الحكومة مهما بلغ شأنه ودوره في البلد. كما وأنه مطالب بالتناغم والانسجام مع وعوده التي قطعها للرأي العام اللبناني، لا سيما منهم المنتفضين على واقع الفساد وفوضى الإدارة، وحتى فوضى القرار السياسي.

بدورها المؤسسة الدينية والمرجعية الدينية مطالبة بتشكيل حصانة للحكومة تؤكد استقلاليتها، وتمنع أي تجاوز لدورها، وتشكل معها أحد الضمانات لتلبية مطالب اللبنانيين بوضع حدّ للفساد والفوضى العامة.

وكذلك بالنسبة للقوى السياسية في الساحة الاسلامية فإنها أيضاً معنيّة بمراقبة الحكومة وتشكيل ضمانة لحسن سير عملها حتى لا تستفرد بها القوى الأخرى، وحتى تتمكن من أن تقوم بدورها المتوخى على المستوى الشعبي والحراك العام، حتى تكون فعلاً حكومة مرحلة انتقالية تضع لبنان على سكة الحل الصحيح.

الساحة الإسلامية في لبنان وفي ظل تحدّيات المنطقة بحاجة إلى تنسق جهودها، والإفادة من طاقة كل فرد فيها لما يعزّز دور الدولة الحقيقي الذي لا يكون مصادراً من قبل أي طرف، ولا يكون مهيمناً عليه من قبل أية جهة أو قوة، وقبل فوات الأوان.