الشيخ الجرار .. شاهداً وشهيداً.
حزيران 13, 2019

الدكتور وائل نجم.

لا أدري بهذه الكلمات أزفّك شهيداً عريساً إلى جنان الخلد , وأنت الذي سجّلَتَ "كاميرات التصوير" لحظة اغتيالك الجبانة؟! أم أنعيك إلى الأيتام والأرامل والمساكين الذين سيفتقدونك وأنت الذي كنت تكفكف دموعهم، وتبلسم جراحهم، وتسعى جاهداً ومجدّاً من أجل التخفيف من معاناة أهلك في ذاك الثغر المطل على فلسطين الحبيبة، والمحاذي للشام الجريحة؟!

أعترف أنّي صدمْتُ لحظة أيقظني "محمد" من نوم كنْتُ لتوّي قد شرعت فيه، وقال لي : " بيّي بدي أحكي معك شوي. شو في؟ قلْتُ. أخذني إلى غرفة مجاورة وقال: " محمد الجرار أطلق عليه الرصاص واستشهد". نزلتْ عليّ تلك الكلمات كالصاعقة. متى ذلك؟ وكيف؟ قلْتُ من دون تفكير. منذ قرابة نصف ساعة تقريباً , قال محمد. وكانت الساعة تشير في حينه إلى الثانية عشرة والدقيقة العشرين بعد منتصف الليل.

كنْتُ أعلم أنّ هذه اللحظة قد تأتي في أي وقت، خاصة وأن الشهيد تعرّض منذ قرابة سنة لسيل من التهديدات ومحاولات التشوية، كان فيها صامداً صلباً جلموداً كصخر جبل الشيخ.

لم تفتّ التهديدات من عضده، ولم تثنه عن مواصلة دربه ومسيرته في كفكفة دموع الأيتام وبلسمة جراح الفقراء والمساكين والأرامل، فكان يسعى من مكان إلى آخر من أجل تأمين ما أمكن للمستوصف الطبي الذي تولّى إدارته , علّه بذلك يخفّف من معاناة أهله في شبعا والعرقوب.

عرفْتُه عن قرب وأنا الذي أجاوره في السكن، وهو الذي تولّى مسوؤليات مع إخوانه في الجماعة الإسلامية، منها مسؤولية العلاقات العامة في منطقة حاصبيا – مرجعيون، ومنها مسؤولية بلدته شبعا.

عرفْتُه رجلاً رجلاً، بما تعنيه الكلمة من معنى، في المحطات المفصلية والقرارات المصيرية، فكان حاضراً على الدوام في كل ما يسهم في جمع كلمة منطقته، وفي انفتاحها على جوارها، وفي تعزيز أواصر العلاقة بين الجميع من دون حواجز، وقبل كل ذلك وبعده في تثبيت الناس وتشبثهم بأرضهم.

عرفْتُه وهو الذي قضى شطراً من عمره في قوى الأمن الداخلي، متمسكاً بقيام دولة المؤسسات، فبنى أفضل العلاقات مع كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية في المنطقة، والجميع يشهد بذلك.

عرفْتُه وهو الذي كان مسكوناً بحبّ فلسطين، في قلبه وضميره ووجدانه , احترام والتزام لكل من أحبّها أو عمل لأجلها. كانت البوصلة التي تحرّكه وتنير له الدرب في علاقاته وصداقاته وحراكه.

عرفْتُه ثائراً لا يقبل الظلم ولا ينحني له. ينتصر للمظلوم، ولا يخشى سطوة الظالم. صدح بموقفه المساند لثورات الشعوب العربية دونما تردّد أو حساب، وعمل بما أُوتي من قدرة وقوة على احتضان اللاجئين السوريين الذين وفدوا إلى بلدته ومنطقته دونما تمييز بينهم.

أخي محمد، لقد اغتالتك يد الغدر الجبانة تحت جناج الظلام , لأنها تخشى مواجهتك في ضوء النهار. لأنها يد لقوى ظلامية متوحشة حاقدة سوداء. أما أنت فصاحب قلب أبيض ناصع كثلج الجبل الذي يجاور مرقدك، والنهار الذي يضيء سماءك.

أرادوا إسكاتك وإنهاءك لوقف مسيرة ما آمنت به، وعملت لأجله، لكنهم نسوا أن داخل إخوانك وأهلك يسكن ألف ألف محمد، وأنّ دمك الذي روى تراب شبعا أزهر مع الربيع من يحمل المشعل ويواصل المسيرة.

إطمئن "أبا أحمد" وأنت الشهيد الحي الذي لا يموت، وقد رأيْتَ يوم تشييعك ذاك النهر المتدفق، والسيل العارم من أحبابك وإخوانك وأهلك ومحبيك وقد جاؤوا من كل أصقاع لبنان يؤكدون الوفاء لخطك ومسيرتك، ويجدّدون العزم على إكمال الدرب وحمل الأمانة باقتدار أيها الشهيد بيننا والشاهد علينا.