الصمت وخطر اختفاء السياسة في تونس
آب 08, 2022

المهدي مبروك

لم يدفع الانقلاب في تونس، على فظاعته، إلى بروز معارضة سياسية ذات قيمة، فباستثناء تظاهرات نظمهما مخيم الرافضين، على غرار "مواطنون ضد الانقلاب" و"جبهة الخلاص الوطني"، علاوة على تنسيقية الأحزاب الاجتماعية التقدمية، لم تفلح مثل هذه الجهود في تعبئة الشارع، وظل الانقلاب باقياً ويتمدد. كانت نتائج الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد فرصة للنظام حتى يقرأها على هواه، ولا يرى من الأرقام إلا ما يثير شهيته. يزهو النظام بذكر نسبة الذين وافقوا، وبلغت، حسب بيانات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ما يناهز 92%، ويتغافل عن نسبة المشاركة التي بلغت حدود 25%، رغم الشوائب العديدة التي طاولت نزاهة المسار كله، علاوة على توظيف إمكانات الدولة، وغياب صوت من قاطعوا أصلاً هذا الاستفتاء، باعتباره باطلاً واستمراراً في طريق الانقلاب.

بعد مضي سنة عن هذا الانقلاب، ما زال الجدل السياسي والفكري محدوداً، باستثناء مقالات وتصريحات أدلى بها أساتذة في القانون والعلوم السياسية ممن لم ينضمّوا إلى جبهات معارضة، لكنّ صوتهم ظلّ مرتفعاً حاداً ضد الانقلاب، ومنهم حمادي الرديسي وعياض بن عاشور الذي ترأس إبان الثورة الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي، وقد قال أخيراً في اجتماع لمساندة جمعية القضاة، وهو المعروف بتحفّظاته الشديدة، إنّ "قضية القضاة تندرج ضمن إطار سياسي، وهذا النظام لا بد من مقاومته مدنياً وسلمياً وتنظيم آليات المقاومة ضد مسار 25 جويلية (يوليو/تموز 2021)... هذا النظام استبدادي وظالم، ويحتقر الرأي المخالف". و"دوامة الصمت" التي نظرت إليها إليزابيث نويل نيومان تلتهم الجميع.

يختفي أي طريق سياسي بديل واضح المعالم في ظل تهييج المشاعر السياسية، وهي اللعبة التي تحبها الشعبويات. تتضاءل السياسة وتتلاشى أو تكاد مفرداتها تترك مكانها لمملكة المشاعر والأهواء السياسية. لا يدرك الناس، في غياب ذلك النقاش المفترض بين بدائل سياسية مختلفة، بل متناقضة في الأصل، مسالك التجاوز. يُجمَع الكلّ في سلة واحدة، خصّصت للفساد والمنظومة الكريهة... إلخ. لا يفرّق الناس بين حركة النهضة والحزب الجمهوري أو حزب العمال، وهما اللذان عارضاها بحدّة، وساهما في إضعافها. كلّ هذه الأضداد تُجمَع في صندوق واحد أشبه بالبئر الذي لا قاع له، سرداب يبتلع الجميع: من حكم ومن عارض. من كان نزيهاً ومن كان فاسداً... يُنشأ فراغٌ من حول الرئيس... إنّه عهد جديد لا يشبه غيره.

تشتغل شعبوية الرئيس قيس سعيّد وحشده الشعبي الذي يتكل على كتائب إلكترونية شديدة الانضباط فائقة اليقظة على ترذيل الجميع، حتى يظل الرئيس استثناء خارقاً. لا يمكن للشعبوية أن تتمدّد إلّا على حساب الآخرين، مهما كان صدقهم ونزاهتهم، حتى يجني الحشد الشعبي ويحتل المزيد من أراضي السياسة، يُخلى عمداً السياسيون منها، وإفراغ تلك المناطق، من خلال السحل الإلكتروني الذي يطاول المتسيسين قديماً، وافتعال التشويه وإطلاق الشائعات، حتى ينتهي هؤلاء منبوذين. يهجر هؤلاء حقل السياسة تاركين الساحة فارغة لغيرهم من أنصار الرئيس سعيّد. تتساءل إحدى الصحف اليومية التونسية عن سر اختفاء مئات الوجوه السياسية التي احتلّت المشهد أكثر من عشرية، وكانت لهم صولات وجولات. لا يمكن أن يكون الخوف من تهم الفساد التي قد تلاحق أي معارض وحده سبباً في تفسير ما يجري حالياً في تونس من إخلاء الساحة السياسية.

الساحات التي تفرّغ يملأها خطابا وممارسة أنصار الرئيس، كما أشير أعلاه، حتى عادت ممارسات قديمة خلنا أنها اختفت إلى الأبد: تعليق صور الرئيس على وسائل النقل العمومي والخاص، شعارات الرئيس التي يردّدها تغطي واجهات المحلات .. ثم شيء ما يشبه ما جرى في ليبيا زمن معمر القذافي.

تختفي مفردات السياسة وممارساتها مقابل انتشار خطاب أخلاقي، يقوم على إعلاء نقيضين: فاسدون/ صالحون. صادقون/ كاذبون. شياطين/ ملائكة. هذا الخطاب الأخلاقي الذي يسود حالياً في المشهد السياسي التونسي هو الذي يؤسّس لموت السياسة. حدث هذا في ليبيا التي ظلت "ثقافتها السياسية" عقوداً طويلة تتشكل على ذلك المعجم. ليست الممارسات سوى تجسيد لهذه المُثل التي لا ترى في الناس - مواطنين عاديين أو مسؤولين - سوى مخيمين كبيرين، واحد للفساد وواحد للصلاح. لا يشتغل الخيال السياسي من أجل إثراء التعدد وعقلنه الخلافات وإيجاد مساحات واسعة من التوافقات السياسة الحقيقية، بل يشتغل على شكل دونكوشيتي، يحارب طواحين الأعداء والمؤامرات.

في الشعبويات عموماً، وتحديداً التسلطية منها، على شاكلة شعوبية الرئيس قيس سعيّد، يجرى دفع السياسة إلى مجال الأخلاق وتلجيم هذه الزحزحة بتشريعات كثيرة، حتى ولو كانت مهزلة. لقد رأينا أنظمة تسلطية تمنع الناس، حتى من أداء التحية كما يرغبون بها.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".