العراقيون يبكون إليزابيث الثانية
أيلول 13, 2022

إياد الدليمي

وجد العراقيون في وفاة الملكة البريطانية إليزابيث الثانية فرصة ومناسبة لهم للبكاء على أطلال ملكيتهم المنهارة وملكهم المغدور في يوليو/ تموز 1958، وأيضا مناسبة للبكاء على واقعهم، وما آلت إليه أوضاع بلدهم، ففي العزاء، كلٌّ يبكي على ليلاه، وعلى ميته.

كان فيديو استقبال الملكة البريطانية الراحلة ملك العراق فيصل الثاني عام 1956 من أكثر ما تداوله العراقيون بعد إعلان خبر وفاة الملكة، يوم زار فيصل الثاني المملكة البريطانية، وجرى له استقبال ملكي حافل، قبل أن يلقي كلمة في مجلس الأعيان.

غالبا ما يلجأ الفرد إلى استذكار ماضيه الجميل، كلما ضاق عليه خناق حاضره، تماما، كما الشعوب التي تندُب حظها كلما رجعت خطوة إلى الوراء. وقديما قال المثل العراقي "إذا ضامك الضيم تذكّر أيام عرسك". وأيام عرس العراقيين قليلة معدودة، حتى إذا ما جاء يوم حنّوا واشتاقوا إلى الذي كان قبله، حتى وصل الحال ببعضهم إلى الحنين إلى ما كانوا يعتبرونه نظاما شموليا ديكتاتوريا، النظام السابق قبل غزوهم من الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية وتخليصهم من حكم الفرد.

لم يقتصر الأمر على استذكار ملكيتهم وملكهم الذين سقطوا تحت أقدام حفنة من ضبّاط مغامرين، تأثروا بأحاديث القومية العربية، بل ربما كانوا مدفوعين من حكومة لندن، كما يروي العراقي عبد الجبار البياتي في استذكارات شخصية مع ثلة من شعراء شباب في بغداد إبّان التسعينيات. بحسبه، ما كان لمجموعة الضباط أن تخطّط للقيام بمثل هذا الانقلاب، لو لم تكن مدعومة من حكومة صاحبة الجلالة هناك في لندن، مستشهدا بتأخر التدخل البريطاني عقب الانقلاب، ناهيك بمعلومات سرّية كانت قد وصلت إلى لندن قبل ليلة الانقلاب، تشير إلى نية الضباط القيام بجريمتهم من دون أن تحرّك ساكنا. ويشفع البياتي تبريرا لما قامت به حكومة صاحبة الجلالة من التغاضي عن الانقلابيين بأن لندن كانت تخشى طموحات رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري السعيد، الذي نجح في إقامة اتحاد كونفدرالي مع الأردن، وكان في طريقه إلى ضم سورية، ومعها لبنان طبعا.

وبغض النظر عن حقيقة ما جرى في ليلة الانقلاب والدور البريطاني فيه، فتحت وفاة الملكة إليزابيث، وحنين العراقيين الجارف إلى مملكتهم التي لم تعمر أكثر من 37 عاما، باب النقاش واسعا عمّا هي الأصلح للحكم عربيا، الملكية أم الجمهورية. وبغض النظر عن الانطباعية التي كانت سائدة في أجواء تلك النقاشات، فإن مما يجدر الوقوف عنده تلك الفوارق التي يسردها بعضهم، ويفضل بها ومن خلالها الأنظمة الملكية على الجمهورية.

في أوروبا، نجحت الثورة الفرنسية التي استمرت قرابة عشر سنوات، من 1789 وحتى 1799، في التخلص من الملكية، وأقامت جمهورية علمانية ديمقراطية، أضحت منارة للتحرّر والحرية في العالم. في المقابل، بقيت عدة ملكيات أوروبية عريقة، تحافظ على تقاليدها، مع دفعها إلى التنازل عن عدة صلاحيات بفعل تأثيرات الثورة الفرنسية، حتى وصلنا إلى ملكيات دستورية، يسود فيها الملك ولا يحكم.

نعرف أسماء رؤساء حكومات بريطانيا، ولكن من القليل ذكر اسم الملك أو الملكة أو حتى أفراد العائلة، ما خلا بعض أخبارٍ تدور في غالبيتها حول قضايا اجتماعية لا سياسية. في الجمهوريات العربية التي جاءت على أطلال ملكيات، في العراق ومصر وليبيا، لا نجد ذكرا يعلو فوق ذكر الرئيس، فهو الحاكم بأمر الله، وهو صاحب الصلاحيات، وهو الذي حتى خطؤه مغفور ومغتفر، شمولية فاقعة لا تبقي لأي شخص أو مؤسسة في الدولة أي دور. هي بالأحرى صورة مشوّهة ليس عن الجمهورية الفرنسية التي انبثقت عن ثورة السنوات العشر، بل هي صورة مشوّهة حتى عن الملكيات، سواء الدستورية أو غير الدستورية. بالتالي، لا مجال للمقارنة بين أي نظام حكم عربي "جمهوري" ونظام آخر في العالم، جمهوري أو ملكي.

نعم، لو قيّض للشعوب العربية اليوم أن تختار مصيرها ربما لكانت أقرب إلى اختيار الملكية نظام حكم، فهي ترى فيه نوعا من التعويض عن الحال الذي آلت إليه الدول العربية التي جرّبت الحكم الجمهوري بعد الملكي. قد تكون للأمر علاقة بما تعانيه تلك الشعوب، هذا صحيح، ولكن أيضا قد تكون للأمر علاقة بطبيعة الثقافة العربية السائدة، ثقافة القبيلة وشيخها، الأسرة ورب الأسرة، البيت الذي لا بد أن يكون له كبير، كبير يحمل صورة رمزية أبوية رعوية، هذه ثقافة اجتماعية تحترم الكبير وتقدّره وتضعه في مكانة مناسبة على الأغلب.

تماما كما الحال في الأنظمة الملكية الدستورية التي تضع الملك في منصب شرفي، يملك ولا يحكم، يضمن حماية استقرار البلاد في لحظة فارقة، بينما تبقى المناصب الأدنى من ذلك رهنا بتنافس مختلف القوى السياسية، فهذا النوع من أنظمة الحكم أقدر على توفير الاستقرار للأوطان، وبالتالي منحها القدرة على النهوض والتقدّم، فلا تنمية من دون استقرار.

يبكي العراقيون إليزابيث الثانية، أو بالأحرى يبكون حالهم وحال بلدهم الذي أدخله الجمهوريون في أتون صراعاتٍ أودت به في براثن أبغض احتلال في التاريخ، ولسان حالهم يقول "أكلنا يوم أُكل ملكنا".

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".