العهد وحزبه ضد سلامة والمصارف: الرد على بومبيو بالفوضى.
نيسان 24, 2020

منير الربيع.

انفجر الشارع مجدداً في لبنان. الانفجار كان متوقعاً. كل القوى السياسية كانت تستعد له. فريق الموالاة يريد توجيه هذا الشارع نحو المصارف وحاكم مصرف لبنان. قوى المعارضة تريد الاستثمار بهذا الشارع ضد الحكومة. في ساحات التظاهرات المتنوعة جماعات متعددة، بأهواء سياسية متوزعة على جهات سياسية ومدنية مختلفة. سياسة العهد والموالاة متكاملة وتسير في الاتجاه نفسه، تصفية الحساب مع كل أركان المرحلة الماضية، والاستثمار بالشارع لتحقيق ذلك. المعارضة المتخيلة، غير قائمة وغير فاعلة وغير متجانسة. ولكن ما الذي فجر الشارع مجدداً؟

إسقاط سلامة ومحاكمته؟!

العامل الأساسي لتفجير الشارع، كان موقف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، والذي أعاد التذكير فيه بوجوب الإلتزام بتوجهات اللبنانيين وتلبية تطلعاتهم. وحسب ما تكشف المعلومات فإن بومبيو أبلغ بعض المسؤولين اللبنانيين بأن حكومة حسان دياب لا تحظى بأي غطاء أميركي، ولا أي مقومات دعم، كما توقع بأن الحكومة لن تستمر طويلاً. هذا الكلام تسرّب للجهات المتمسكة ببقاء الحكومة (حزب الله خصوصاً). والتي استشعرت أن ثمة موجة احتجاجات كبيرة ضد الحكومة لإسقاطها. هنا بدأ التحضير لخطة مضادة وهي النزول بوجه المصارف، بل وبتصميم على إزاحة سلامة عن حاكمية المصرف، ليصبح الكباش مباشر وغير مباشر بين الولايات المتحدة الأميركية وخصومها في لبنان.

 

التصور لدى الجميع كان يشير إلى أن الحكومة لا يمكنها أن تستمر طويلاَ، ولن تتمكن من تحقيق أي انجاز. رئيس الحكومة حسان دياب رفع شعار التصعيد ضد حاكم مصرف لبنان، فتلاقى على الخطّ ذاته مع عون وباسيل، وتوعد حاكم المركزي بموقف عنيف يوم الجمعة. خصوصاً أن لقاء سلامة مع دياب مساء الأربعاء لم يصل إلى أي نتيجة، بعدما أبدى دياب العتب على سلامة بأنه لا يطلعه على تفاصيل قراراته.

الرئيس لا يسمع!

دخل العديد من الوسطاء على الخط بين رئيسي الحكومة والجمهورية من جهة، ورياض سلامة من جهة أخرى. كان جواب سلامة للوسطاء بأن هذا العهد الذي يريد تحميله مسؤولية الانهيار، هو بالأحرى المسؤول عن الانهيار، وكل الصرف من قبل المصرف المركزي حصل بناء على قوانين الموازنة التي وقع عليها رئيس الجمهورية. ومما قاله سلامة إن الحكومات طلبت منه صرف 8 آلاف مليار ليرة، بقانون موازنة العام 2018، و5 آلاف مليار ليرة في موازنة العام 2019. ما يعني أن الأموال التي أنفقها سلامة من المصرف المركزي، كانت بناء على قانون الموازنة، والتي هم طالبوا بها ويريدون محاسبته عليها. توجه أحد الوسطاء إلى سلامة بالقول اخرج وأوضح هذا الأمر، واطلب موعداً من رئيس الجمهورية لتضعه في هذه التفاصيل، فأجاب سلامة بأنه "التقى بعون أكثر من مرة. لكن عون لم يسمع أي كلمة كان يقولها. وكان يرفض أن يصغي إليه. وكل الأوراق والأرقام التي كان يسلمه إياها، كان يتم تسريبها للإعلام أو استخدامها لتصفية حسابات سياسية".

 

حصل اللقاء بين عون وسلامة صباح الخميس، وكان الجو متوتراً بفعل موقف سلامة الواضح. عون لم يتراجع أبداً، ولو أنه كان هناك استشعار بأن الشارع سينفجر، لا سيما أن باسيل كان قد غرد مساء الأربعاء متوجهاً إلى اللبنانيين بالتحضر إلى مسرحية الشارع والتحركات بالتزامن مع ارتفاع سعر الدولار. أراد باسيل بموقفه تحميل المسؤولية إلى القوى الأخرى، وكان في الوقت نفسه يعمل على التنسيق مع آخرين في سبيل النزول إلى الشارع وتوجيهه نحو سلامة والمصارف.

شارعان وتراكم

استشعر حزب الله وباسيل أن الشارع سيتحرك وينفجر قريباً. لم يكن بإمكانهم السكوت. ولكي لا ينفجر الشارع بوجه الحكومة والعهد مجدداً، كما حصل في 17 تشرين، وجدوا أنه من الواجب توجيه هذا الشارع نحو المصارف بسبب أزمة الدولار وارتفاعه الجنوني. فتم تحضير الأجواء لحصول التظاهرات أمام المصرف المركزي تحت شعار إسقاط رياض سلامة ومحاسبته ومحاكمته. ولكن على الرغم من تحريك حزب الله والتيار الوطني الحرّ لشارعيهما ضد مصرف لبنان والمصارف، كان شارع آخر في المقابل أيضاً يتحرك، وقد يؤسس هذا إلى وضع شارعين بمواجهة بعضهما البعض.

طبعاً كل هذه التحركات التي تحدث الآن ستكون عملية تراكم كبيرة، على قاعدة إعادة انتاج اصطفاف عمودي في الشارع، سيتخلله ضغط كبير وفوضى أكبر. فرئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة وجبران باسيل، كانوا منذ أيام يشيعون أجواء عن تشكل معارضة سياسية من قبل الاشتراكي والقوات والمستقبل. هذه الشائعات هدفت إلى بث أجواء أن "الحلف الثلاثي" يريد إسقاط الحكومة والعهد وتعطيل وعرقلة المشروع الإصلاحي والخطّة الاقتصادية، وذلك بهدف توجيه التظاهرات ضدهم أيضاً.

برّي أيضاً وأيضاً

ولم يرد العهد إلا أن يشمل رئيس مجلس النواب نبيه برّي بسهامه. وذلك من خلال الإشكال الذي حصل بين بري ورئيس الحكومة. عتب بري على حسان دياب كبير، خصوصاً أنه يسير بكل ما يمليه عليه أو يطلبه باسيل، أو وزيرة الدفاع، لا سيما في بعض الملفات والأمور المالية. انفجر الإشكال على خلفية قانون استدانة 1200 مليار ليرة لمساعدة القطاعات المتضررة بفعل الأزمة. تم إرسال مشروع القانون قبل أقل من 24 ساعة من الجلسة التشريعية، النواب لم يطلعوا عليه. وبالتالي، لا يمكن لهيئة مكتب المجلس أن تدرجه على جدول الأعمال.

هنا، كان هذا الفخ الذي استثمر به باسيل والحكومة، بتصوير الاشتراكي والمستقبل والقوات ومعهم بري، وكأنهم يريدون تعطيل النصاب وإسقاط مشروع مساعدة الفقراء، واستثمار نتيجته الإعلامية في السياسة. لذلك صدر الموقف العنيف عن برّي، أنه لا يمكن للحكومة أن تفرض على مجلس النواب واجباته أو توجهه حول ما يجب فعله. السيناريو مع برّي أبعد من ذلك. السعي الدائم لباسيل للعب على وتر الشارع المنتفض واستقطابه، ترتكز على رفض هذا الشارع لكل القوى السياسية التقليدية. فعمل باسيل على الإيحاء بأن برّي يواجه الحكومة، ويريد إسقاطها إلى جانب الحريري وجنبلاط وجعجع. وهذا إذا ما حصل سيكسب باسيل شعبياً بكلتّي الحالتين، سواء سقطت الحكومة أو صمدت واستمرت.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".