القدس وغزّة أولويتان
أيار 24, 2021

داود كتّاب
خلال العقد الماضي وأكثر، كان وما زال أحد أهم أهداف إسرائيل الاستراتيجية، فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية المحتلة بما في ذلك القدس. لكنّ الأحداث أخيراً والمقاومة الغزّية التي جاءت بناء على نداء مقدسي من حيّ الشيخ جرّاح ومن المسجد الأقصى قلبت الأمور، وأعادت اللحمة ليس فقط بين غزّة والقدس، لكنّها أيضاً نجحت في توحيد الشعب الفلسطيني. فقد انتفض أهلنا في الداخل، وتحركت المخيمات في الأردن ولبنان، وانضم ملايين في الشتات عبر عاصفة إلكترونية لم يسبق لها مثيل، حركت العالم، وأجبرت حتى العملاقة الرقمية "فيسبوك" على أخذ فلسطين في حساباتها.
لن يغيّر النجاح الباهر الأمور في ليلة وضحاها، ومن الخطأ أيضاً أن يُبالَغ في الاحتفال ويُنسى أنّنا ما زلنا تحت احتلال، وما زالت أميركا وأوروبا مؤيدة للطرف الآخر، على الرغم من التقدم والتحسن الملحوظ الذي تم إنجازه في هذه المدة القصيرة.
الوحدة الفلسطينية التي تم تدشينها بالدم والجهد يجب استثمارها، في خطة وحدوية مدروسة، تعتمد اللامركزية القيادية والتنسيق، فتكون هناك عملية تكميلية، وتوافق وطني حقيقي على كلّ المستويات. وما هو ضروري الآن وضع أولويات العمل الوطني، والابتعاد عن الأمور التي تسبّب الانشقاق والفتنة، في وقت أحوج ما يحتاجه الفلسطينيون هو العمل التشاركي الحقيقي والصادق، المبني على المصلحة الوطنية، لا المصلحة الفصائلية أو الشخصية لهذا القائد أو ذاك الزعيم، مهما كان ومهما كان موقعه.
على المستوى الوطني، لا بدّ من العمل، في أسرع وقت، على تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية، تتمثل فيها كلّ الجهات المؤثرة، ومنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي. ستعارض إسرائيل وأميركا ذلك، لكنّ اعتراضها يجب ألا يكون المعيار في اتخاذ القرارات ذات البعد الوطني، والتي تعكس بصورة حقيقية رغبات الشعب الفلسطيني وأمانيه. الحاجة الآن لقرارات وحدوية تكمل المسيرة الوحدوية التي شهدتها أخيراً فلسطين وعرفها الشتات، لا القرارات التي تضرّ تلك الوحدة التي جُبلت بدماء الشهداء وأنين الأطفال.
أولويات حكومة الوحدة الوطنية يجب أن تكون القدس وغزة، فالقدس تتحدث عنها القيادات كافة، لكنّها لم تكن جزءاً من أيّ استراتيجية وطنية مؤثرة. إنّها الآن توحد الفلسطينيين، وهذا يتطلب منهم أن نردّ للقدس ما قدّمته من تضحياتٍ لتلك الوحدة، من خلال مشاركة المقدسيين في صنع القرارات التي ستدعم صمودهم، وتعزّز من قدرتهم على التصدّي لمحاولات التهويد الإسرائيلية. مرّة أخرى، سيتطلب الأمر التغاضي عن الخلافات الداخلية، وسحب الفيتو لهذه المجموعة أو مؤيدّي ذلك القائد، فالقدس بحاجة إلى وحدة الجهود والاستفادة من كلّ العناصر المؤثرة في المدينة المقدسة، والأمر يتطلب جدّية حقيقية وقرارات جادّة يشارك فيها الجميع من دون استثناء.
ويتعين أن يحظى موضوع غزّة بالأولوية نفسها للقدس، لناحية إعادة البناء ولملمة الجروح بصورة مباشرة. لكن، أيضاً، ثمّة حاجة الى تجسيد الوحدة الوطنية، من خلال توحيد العمل وإلغاء المؤسسات الموازية والابتعاد عن كلّ أشكال الانقسام. ووجود الإخوة والأخوات من "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في الحكومة الوطنية المطلوبة سيساعد في تحقيق الهدف المنشود والمطلوب من الجميع.
وفي هذا المضمار، ما هو المانع الآن، وفي أسرع وقت ممكن، من زيارة الرئيس محمود عباس قطاع غزّة، والبقاء هناك لإنجاز كلّ ما تتطلبه عملية توحيد الجهود؟ لقد تراجع كثيراً دور الرجل وأهميته أخيراً، لأسباب عدة، منها القرار غير الحكيم بإلغاء الانتخابات، لكنّ العمل الدؤوب للرئيس في القطاع المجروح، من غزّة نفسها، سيكون له أثر كبير في إعادة مكانة الرئيس والحفاظ على رمزية الرئاسة. ولا بدّ من أن تكون هذه الزيارة مقدمة لزيارات أخرى من خلال معبر رفح لقيادات عربية وعالمية. لماذا لا يتم عقد مؤتمر إعادة بناء غزة في القطاع نفسه، وبمشاركة جميع الوفود وبأسرع وقت ممكن؟ لقد لعبت مصر دوراً مهماً في تثبيت قرار وقف إطلاق النار، وهذا يوفر لمصر القدرة والإمكانية لأن تلعب دوراً مركزياً في عقد مؤتمر إعادة البناء. ولا بد، مرة أخرى، من وضع حرية التنقل بين قطاع غزّة والضفة الغربية في أعلى أولويات أيّ عمل وطني وسياسي مع الأطراف كافة. حق المقدسيين وأهل الضفة في زيارة غزّة وبالعكس، حق أهل غزة في الصلاة في الأقصى وكنيسة القيامة وزيارة الأهل في رام الله ونابلس والخليل، حق يجب التركيز عليه.
ولا بد من أن يتم بالتوازي مع حرية التنقل للأشخاص توفير حرية النقل للبضائع والخدمات بين شطري الدولة الفلسطينية العتيدة. هناك بروتوكول كامل متفق عليه مع الجانب الإسرائيلي، عن الطريق الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويجب أن تعيد القيادة الفلسطينية، بفرض استمرار التنسيق الأمني الذي فرضته اتفاقية أوسلو، فتح الممرّ الآمن بين غزة وترقوميا في جنوب الخليل، فكسر الحصار سيكون أحد أهم مزايا النجاح الذي يمكن تحقيقه بناء على المعطيات الجديدة. ستعارض إسرائيل وتساندها أميركا، لكنّ الإصرار الفلسطيني يجب أن يكون حول أولويات العمل الوطني الوحدوي عنوان المرحلة المقبلة.
لقد نجح الشعب بوحدته، مع إصرار كبير على عدم الرجوع إلى الوراء. والتقدّم في إحراز نتائج ملموسة يحتاج تشاركية حقيقية، والابتعاد عن عنجهية الحكم، وضرورة أن يتواضع الجميع أمام تضحيات الشعب العملاقة.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".