المسجد الأقصى ومعنى القربان
نيسان 18, 2022

أسامة عثمان

على مرأى من العالم، وعلى الهواء مباشرة، يقتحم جنودُ الاحتلال المدجَّجُون بالسلاح، وبالدعم الدولي، وغيرِ قليلٍ من السكوت العربي الرسمي باحاتِ المسجد الأقصى، وينتهكون مكانا مِن أقدس الأماكن عند المسلمين، يلتفُّ حوله الفلسطينيون، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، بوصفه رمزًا جامعًا، ويتمادى جنود الاحتلال بانتهاك المسجد القِبْلي، وتكسير نوافذه، وإطلاق الرصاص، وقنابل الغاز، وترويع المُصلّين، واعتقالهم، وهم العُزَّل، والآتُون من كلِّ فلسطين، إلى مسجدهم؛ للاعتكاف، في شهر رمضان، وللرباط فيه؛ تحسُّبًا من مخاطر غير مَخفيَّة، من قبيل إعلان جماعات دينية متطرّفة، كجماعة أمناء الهيكل، عن عزمها ذبْح قرابين فيه؛ إمعانًا في تهويده، وفي فرْض السيادة عليه، ولو جزئيًّا، في هذه المرحلة.

يقدّر قادة إسرائيل أننا في حالة ضعف، أو أنَّ فرصةً سانحة أمامهم، لذلك يسارعون في تكريس وجودهم، وفي تهويد القدس، واستهداف المسجد الأقصى، ولا بدَّ أنَّ يكون مسارُ التهويد متصاعدًا، في الكم والنوع. وترى الجماعات اليهودية المتطرِّفة أن هذا العام يشهد اللحظة المناسبة لإدخال قرابين عيد الفِصْح إلى الأقصى، وتحقيق حلمها بتنفيذ هذا الطقس في رحابه. وإجراء الطقوس، وفي مقدمتها ذبح القربان داخل الأقصى، إقامة للمعبد الثالث من الناحية العملية؛ لأن هذه الجماعات ترى أنها أقامته من الناحية الروحية، بالاقتحامات المستمرة، وإقامة الصلوات. وبالتالي، الخطوة المقبلة هي إقامة الشعائر اليهودية الكبرى. لم تسمح شرطة الاحتلال بهذه الخطوة. ربما رآها قادةُ الاحتلال متعجّلة، وأن الظروف لم تنضَج بعدُ لها، أو أن حكومة رئيس وزراء الاحتلال، نفتالي بنيت، تحاول تجنُّب مواجهةٍ جديدة مع المقاومة في قطاع غزة، بعد أن هدَّدت حركة حماس بأنها (والشعب الفلسطيني) لن تسمح بذبح القرابين، مهما كان الثمن.

وحتى من دون الانزلاق إلى مواجهة مسلّحة، فإن أهل فلسطين، من الضفة الغربية والقدس، بالإضافة إلى فلسطينيي الـ 48، لبّوا نداء المسجد الأقصى، واحتشدوا، برغم منْع سلطات الاحتلال، ومضايقاتهم، في باحاته، لا يدفعهم إلا إيمانهم، وعزائمُهم المذهلة، والمشرِّفة، في وقت ينشغل فيه العالم، بأحداث عالمية، لعل أبرزَها الحربُ في أوكرانيا، وفيما يعاني فيه العرب والمسلمون من آثار اقتصادية ومعيشية منهِكة، ومُدَوِّخة.

وبرغم قلّة حيلة الفلسطينيين المادية، إلا أنهم الأقربُ جغرافيًّا، والأكثر استشعارًا بالمسؤولية، تُجاه هذه البؤرة التي يتمركز فيها الصراع، راهنًا. يدافعون عن المسجد الأقصى، وكأن هذا الواجب لا يُلزِم غيرَهم، فهم خطُّ الدفاع الأول، والأخير عنه، في مواجهة كيان زاخر بالإمكانات المادية والتخطيطية؛ مستنفَر لهذه الحلْقة من حلقات التهويد، وتكريس السيادة.

ينغِّص على قادة الاحتلال، ومِن ورائهم الجماعات المتطرّفة أنَّ هذا المناخ العالمي والإقليمي والعربي المُواتِي تشوبه عقَبةٌ قد تبدو في المقاييس المادية ضئيلة، لكنها تأتي، ومعها كلُّ العزم الذي تنطوي عليه، محبًّةً، وفداءً؛ ليتعدّل معنى القُربان؛ إنهم يقدّمون أنفسهم وأرواحهم قربانًا للمسجد الأقصى، بكلِّ حُمولته، الروحية والوجدانية والسياسية، فهم يرون الدفاع عنه، ولو بأجسادهم مقابل الرصاص والاعتقال، شهادةَ استحقاقِه، ومعيارَ صدق الانتماء، ووقفةً للتاريخ، ومؤشِّرًا للمستقبل. 

ولِيكون التخاذل العربي والفلسطيني الرسمي، في المقابل، علامةَ الانسلاخ، والتخلّي؛ تمهيدًا للعزْل عن القول في شأنه، وقت شدّة حاجته إلى فعلهم، ومناصرتهم، فالنصر المتأخّر من أشكال الخذلان، فما بالك، بالخذلان المتواصل، من قبل، ومن بعد؟!

والصحيح أن هذه الكيانات العربية الرسمية، ومنها السلطة الفلسطينية، لم تُعَدّ لمِثْل هذه المَخاطر، وليست مؤهّلة للمشاركة في مثل هذا المستوى من المواجهة. وهنا المفارقة المحرِجة، أنَّ الالتفاف حول فلسطين، ومقدَّساتها، لا يزال، على حاله، في حين أن أنظمة التطبيع والمصالحة، قفزت قفزاتٍ واسعةً في الفراغ. ذلك حين حاولت الإيهامَ بأن الصراع قد انتهى، وأنَّ الستار قد اُسدِل عليه، وأنَّ الأوان قد آنَ لعَقْدِ صفقاتٍ تجارية واقتصادية، وحتى أمنية، مع كيانٍ طبيعيٍّ اندمج في المنطقة، وآنَ له أنْ يسهم في تطوّرها وتنميتها، والمساهمة في الدفاع عنها! وذلك برعاية أميركية حثيثة؛ سيرًا على طريق صفقة القرن الهادفة إلى تجاوز الحق الفلسطيني، وتركه يذوب مع الزمن، ومع زخم العلاقات المتسارعة.

والصحيح أن هذه الكيانات العربية، ومعها السلطة الفلسطينية، لا تملك خطابًا يصلح لهذه الحالة المستجِدَّة، وأمام هذا الخطر المحدِق، أصبحت مواقف التنديد الجوفاء، وهي أقرب إلى رفع العتَب، مثارَ سخرية الناس، وبهذا يتأكَّد فقدانُهم القيادة، ويتأكّد تجاوزُ الشعوب لهم، تصديقًا لكلام رئيس حكومة الاحتلال السابق، أنّ مشكلة إسرائيل إنما هي مع الشعوب العربية؛ فهي العقبة أمام التطبيع.

وبالطبع، لا يريد قادة الاحتلال، ولا إدارات أميركا المتعاقبة الاعترافَ بعُمْق القضية، وبأبعادها التي تتجاوز تناولهم السطحي القائم على منطق العصا والجزرة، فهذا الجيل الفلسطيني، من الشباب، عزيمتُه جديدة، لم تُستهلَك، برغم كونه نشأ في ظلِّ الاحتلال، وتشغله، كما كلُّ الشباب، همومُه وطموحاتُه الخاصة، لكن وعيه الفطري، بالإضافة إلى وعيه السياسي الجمعي، لا يسمح له أن يستهين بالخطر الوجودي الذي يهدِّده، ويهدِّد وطنه. كما أن ممارسات الاحتلال اليومية، من قتل، واعتقال، واقتحامات للمدن والتجمُّعات الفلسطينية، واستهداف الفلسطينيين بالطرد من بيوتهم؛ ليُحَلَّ محلَّهم مستوطنون متغطرسون، سافرون في إعادة الصراع إلى أصله؛ صراع وجود، لا يقبل القسمة، ولا الحلول التوفيقية، هذا الخطاب الاستعلائي الذي يحظى بدعمٍ علنيٍّ وفعليٍّ من قادة الاحتلال، على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، يستدعي ندَّه من الخطابات الحاسمة، والفاصلة.

ويجري هذا في عالم أصبح أكثر احتفاءً بالقوَّة الصريحة، وأقلَّ إنصاتًا للعدالة، حتى وَفْق مفهومها المُؤَطَّر بقرارات الأمم المتحدة، وحتى بالموقف الأميركي الرسمي، نفسِه، الذي لا يزال يرى في الأراضي الفلسطينية مناطق محتلَّة، ولكنه لا يرى، كما رأى في أوكرانيا، حق المحتلّ في مقاومة محتلِّه، ولا بد أن ذلك كله يتسرّب إلى وجدان هؤلاء الشباب، والمخذولين، ووعيهم؛ من أهل فلسطين، منذ عشرات السنين، من الأجداد، إلى الأبناء، إلى الأبناء.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".