المشترك والمختلف بين سعيّد والكاظمي
آب 10, 2021

عبد الباسط سيدا
ما جرى، ويجري، في تونس منذ بداية ظهور الرئيس قيس سعيّد في المشهد بناء على "الشرعية" الانتخابية (أكتوبر/ تشرين الأول 2019)، يتماثل في أوجه كثيرة منه مع تطورات الوضع العراقي منذ وصول مصطفى الكاظمي (إبريل/ نيسان 2020) إلى رئاسة الحكومة بناء على "شرعية" التوافقات الدولية، خصوصا بين الولايات المتحدة وإيران، من جهة؛ والتوافقات الداخلية من جهة أخرى. وقد أراد أصحاب هذه التوافقات بها كسب الوقت، خشية الوصول إلى مرحلة الصدامات المباشرة المفتوحة التي يبدو أن الأطراف المعنية لم تكن تريدها، أو لم تكن مستعدّة لها.
ولكن هذا التماثل لا ينفي التباينات الكثيرة بين الوضعين، وهي تباينات لها أسبابها الواقعية المفهومة، فما يجمع بين سعيّد والكاظمي أنهما لا ينتميان إلى حزب أو كتلة سياسية؛ وإنما وصلا إلى موقعيهما في ظل انسداد الآفاق نتيجة الصراعات الشديدة حول السلطة بين الكتل السياسية الداخلية؛ هذا مع فرق بين الوضعين التونسي والعراقي في هذا الميدان، يتمثل في أن مؤسسة الجيش، أو بكلام أدقّ الدولة العميقة التونسية التزمت الحياد، حتى ولو في الظاهر، بينما في الحال العراقية تبدو هذه الدولة مفكّكة، موزّعة بين ولاءات متعدّدة مختلفة. ويبدو أن غالبية الشعب التونسي التي قرّرت التصويت لقيس سعيّد إنما فعلت ذلك اعتقادا منها أن ذلك قد يساعد في إخراج الدولة التونسية، والبلاد عموماً، من النفق المظلم. هذا بينما كان الكاظمي حصيلة التوافقات، كما أسلفنا، بين القوى الداخلية والدولية، ولمدة ومهمة محدودتين، وذلك في ضوء ما هو معلن. تتمثل مهمته في ايصال العراق إلى الشرعية الانتخابية التي من المفروض أن يحصل عليها غيره، هذا إذا استمر الالتزام بالتوافقات التي كانت إلى حين اجراء الانتخابات التي من المفروض أنها ستكون في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
يطرح سعيّد نفسه المصلح الذي يريد القضاء على الفساد، وتنظيم شؤون الإدارة. وكذلك يفعل الكاظمي، مع فارق بينهما بطبيعة الحال، فالأول عطل البرلمان المنتخب بناء على تفعيل إشكالي استند إلى تأويل مثير للجدل لمادة دستورية (المادة 80)، وفي غياب المحكمة الدستورية العليا التي كان من المفروض أن تبتّ في أمر الخلاف. بينما يسعى الكاظمي إلى تمرير مشروعه عبر البرلمان، وفي ظل وجود المحكمة الاتحادية العليا التي من صلاحياتها البتّ في القضايا الدستورية.
من جانب آخر، يبدو سعيّد كأنه يواجه الوضع المعقد وحيداً، لكنه يتناغم مع المطالب الشعبية، ويمنح الوعود. والواضح أنه يستند إلى قوة الدولة العميقة، المتمثلة في الجيش والأجهزة الأمنية. وعلى الأغلب، هناك قوى إقليمية داعمة له، وقد عبر بعضها عن ذلك صراحة. والكاظمي هو الآخر يبدو كذلك، لكنه يستمد الدعم من رئيس الجمهورية برهم صالح الذي يمثل قوة سياسية مؤثرة في الخريطة السياسية العراقية؛ وكذلك وزير الخارجية فؤاد حسين. فالرجلان، إلى جانب مؤهلاتهما وخبراتهما التي يعترف بها الجميع، يحظيان بدعم أكبر حزبين بين الأحزاب الكردية العراقية؛ ولديهما علاقاتٌ واسعةٌ على مستوى القوى السياسية العراقية، وعلى المستويين، الإقليمي والدولي، بصور عامة. كما يستند الكاظمي إلى علاقاته مع فاعلين عديدين في المؤسستين، العسكرية والأمنية، خصوصا أنه كان شخصياً رئيس جهاز المخابرات، ولكنه يظل مثل سعيّد خارج نطاق الكتل السياسية العراقية التقليدية التي تعيش تنافساً، إن لم نقل صراعاً محموماً من أجل الحكم والسيطرة. كما يتكئ الكاظمي، مثل سعيّد، على الحراك الشعبي العراقي الذي يريد هو الآخر محاربة الفساد، وتأمين مقومات العيش الكريم للعراقيين، سواء في ميدان الخدمات، أم الرعاية الصحية، أو التعليم والعمل.
ولكن هذه التماثلات وغيرها لا تنفي وجود تباينات أساسية مفصلية بين الوضعين. نرى في الحالة العراقية أن إيران هي المتغلغلة في مفاصل الدولة والمجتمع العراقيين، وهي تمتلك قوة تأثير كبرى عبر فصائل الحشد الشعبي المرتبطة بها، والمليشيات الأخرى التي شكلتها، إلى جانب تمكّنها من الوصول إلى مفاصل كثيرة في المؤسسة الأمنية، والحكومة والبرلمان؛ فضلاً عن السلطات المحلية في محافظات عراقية عديدة. وفي سبيل التخفيف من حدّة هذا الوضع، يسعى الكاظمي من أجل مد الجسور مع الدول العربية، وإقناعها بضرورة العودة إلى العراق، والاستثمار فيه، ودعم القوى العراقية الراغبة في إخراج الدولة من دائرة النفوذ المهيمن الإيراني.
على الصعيد التونسي، لا يواجه سعيّد مثل هذا التحدي؛ وهناك دول عربية عبرت عن مساندتها قراراته، في حين أن غالبية الدول العربية أعلنت عن حرصها على أمن الدولة والمجتمع التونسيين وسلامتهما؛ هذا مع ترقبها ومتابعتها لمجريات الأوضاع الداخلية التي لم تستقر بعد.
أما التباين الآخر بين الوضعين فيتمثل في تماسك الدولة العميقة التونسية، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، في حين أن هذا الأمر غيرمكتمل في الوضع العراقي؛ لأسباب مختلفة، في مقدمتها نفوذ النظام الإيراني القوي داخل الجيش والمؤسسات الأمنية، وهيمنته الكاملة على فصائل الحشد التابعة له، وتحكّمه بواجهات تلك الفصائل السياسية في البرلمان.
وهناك تباين ثالث يتمثل في الوضع الجيوسياسي لكل من البلدين، فللعراق حدود طويلة مع إيران. وهناك عوامل تاريخية وجغرافية، سياسية وسكانية ومذهبية كثيرة تعقد طبيعة العلاقات بين البلدين، في ظل نظام اعتمد استراتيجية التوسع والاعتداء والتغلغل من أجل البقاء في موقع المتحكّم في الداخل. كما يشترك العراق بحدود وعرة وحسّاسة مع تركيا في الشمال التي تعلن دائما عدم قبولها وجود حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل. وقد استخدمت الحكومات التركية المتعاقبة، خصوصا في ظل الحكومة الحالية، هذه الورقة للدخول إلى الأراضي العراقية عبر مناطق إقليم كردستان العراق.
الولايات المتحدة موجودة في العراق دبلوماسياً وعسكرياً، وهي تحظى بدعم قوي من حلفائها من الدول الغربية في حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا إلى جانب تأثر الوضع العراقي بالوضع السوري، وسعي إيران المستمر إلى استخدام العراق ممراً برّياً للوصول إلى كل من سورية ولبنان، وذلك ضمن إطار استراتيجية التوسّع والتمدّد المشار إليها. ويضفي ذلك كله صعوبات استثناية على مهمة الكاظمي الذي يدرك مسبقاً أنه لن يتمكّن من إنجاز مهمته من دون توافق إقليمي - دولي؛ ومساندة عربية، ودعم داخلي عراقي، سواء من القوى السياسية أو الشعبية.
أما في الحالة التونسية، وبالنسبة إلى وضع سعيّد تحديداً، فتبدو الأمور أسهل نسبياً؛ إذ لا توجد قوات أجنبية على الأرض التونسية. ولكن الصعوبة في أن الهرطقة الدستورية التي اعتمدها الرئيس في إعلان حملته الكبرى على حركة النهضة لا تسعفه لإنجاز مهمته وفق تصوراته، أو ربما وفق خطط من يدعمه، فالدستور الذي أعلن التزامه به لا يمنحه صلاحية حل البرلمان. كما أن الدعوة إلى انتخابات مبكرة غير مضمونة النتائج. هناك فساد في تونس، لا أحد ينكر ذلك. والقول إن حزب النهضة لم يكن موفقاً في إدارته تونس (بشراكة آخرين) منذ نحو عشر سنوات، هو الآخر يحظى بموافقة الجميع تقريباً. ولكن الحل لن يتحقّق بالوقوف هنا. هل سيكون هناك حوار وطني عام للوصول إلى توافقاتٍ معنية، حتى ولو ضمن الحدود الدنيا لإنقاذ البلاد، وإبعادها عن مخاطر التدخلات الخارجية؟ أم أن لعبة الشد والجذب والاستقطاب ستستمر، لتكون تونس، في نهاية المطاف، في قبضة انقلاب عسكري، وتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثورة؟ ما زالت الأمور متداخلة، والنزعات متعارضة، ولكننا في جميع الأحوال لا نريد سوى الخير والاستقرار للشعب التونسي الذي قاسى كثيراً من الاستبداد والفساد. كما نتمنّى الخير للشعب العراقي الذي عانى، هو الآخر، كثيراً من أنظمة فاسدة مفسدة.
وقد علمتنا تجارب المنطقة، خصوصا في سورية، أن الصراعات الإقليمية والدولية لا تقيم وزناً لتطلعات شعوبها المشروعة، ولكننا مع ذلك نأمل أن تتمكّن القوى الوطنية الفاعلة التي تعلن احترامها لتطلعات هذه الشعوب وتضحياتها، من امتلاك الإمكانات التي تستطيع بموجبها تجاوز المخاطر التي تحيط بها من جميع الجوانب. ولن تتحقق هذ الإمكانات من دون حوارات وتفاهمات داخلية.
وأخيراً وليس آخراً، سواء في الحالة التونسية أو العراقية، بل في حالة معظم دول المنطقة، التحديات التي تواجهها هذه الدول وجودية بنيوية عميقة، يستوجب التعامل الفاعل معها الانطلاق من مشروع وطني جامع، يطمئن إليه الكل من دون اي استثناء.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".