المصالحة الخليجية ومدى واقعية مبادرة إقليمية.
كانون الثاني 12, 2021

عبد الباسط سيدا.

الأزمات والخضّات البنيوية التي تعاني منها مجتمعات المنطقة ودولها هي حصيلة عقود من التراكمات السلبية التي تمثلت في حالات الفساد والاستبداد التي اتسمت بها جميع الأنظمة العربية الجمهورية؛ وهي الأنظمة التي سيطرت على الأوضاع في مجتمعاتها ودولها عبر الجيش الذي كان ميداناً للتكتلات والمؤامرات البينية، وأداة في الانقلابات التي دبرها "الرفاق" بعضهم ضد بعض.

وقد استطاعت هذه الأنظمة أن تسوّق نفسها عقودا عبر الشعارات القوموية الكبرى، منها "تحرير فلسطين" و"تحقيق الوحدة العربية الكبرى"؛ بينما كانت في واقع الحال تستغل تلك الشعارات التضليلية لتغطية انقضاضاتها على المجتمعات التي حكمتها بقبضةٍ أمنيةٍ متشدّدة، دمرت بفعلها النظم والمؤسسات الأهلية؛ ولم تسمح بولادة منظمات المجتمع المدني. كما أنهت الحياة الحزبية الحرة الوليدة؛ وباتت موارد البلد في عداد أملاكها الخاصة، أنفقتها على أدوات قمعها، ومغامراتها، وملذّاتها. وحُرم الناس من الرعاية الصحية اللائقة، ومن التعليم المحترم. هذا على الرغم من امتلاك تلك المجتمعات ثروات نفطية لا تقلّ شأناً عمّا تملكه الدول الخليجية، ويشار هنا بصورة خاصة إلى كل من العراق والجزائر وليبيا، وحتى سورية إلى حدٍ ما. بينما تمكّنت الدول الخليجية التي كانت تصنفها "القوى الثوروية" في الجمهوريات المعنية في خانة "القوى الرجعية"، من تأمين الحاجات الأساسية لمواطنيها، وحققت نهضة عمرانية، وتعليمية، وصحية، لا يمكن مقارنتها بما هو عليه الحال في الجمهوريات "التقدّمية".

 

ومع انطلاقة الثورات الشعبية في دول عربية جمهورية عديدة، رُفع الغطاء عن العيوب والمثالب؛ وظهرت المفاسد على حقيقتها، كما انكشف الاستبداد في أبشع صوره. وكان التعويل على تماسك الموقف الخليجي الذي كان من شأنه في حالة فاعليته الحد من الانهيارات عبر إقناع الأنظمة الجمهورية بضرورة اعتماد الإصلاحات على مختلف المستويات، بما في ذلك الأنظمة السياسية نفسها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، بل لجأت الأنظمة المعنية إلى الجيش والأجهزة الأمنية لقمع الناس، ومنع أي تغيير يحدّ من استبدادها وفسادها. وقد أدّى هذا الأمر إلى حروبٍ داخلية، ما زالت مستمرة في سورية وليبيا واليمن. كما أن التوترات والتشنجات في تصاعد مستمر في دول أخرى: العراق ولبنان وتونس والجزائر. وهذا ما يؤكّد وجود خلل بنيوي في طبيعة تلك الأنظمة التي تسبّبت في انسداد الآفاق أمام مجتمعاتها، وسلّمت مصير الأجيال، خصوصا المقبلة منها، إلى المجهول غير المطمئن.

وقد تم استغلال الوضع من القوى الإقليمية، سيما إيران التي أسهمت أصلا في دفع الأمور نحو الخراب في دول عربية عديدة، فقد وجدت هذه القوى فراغاً مرغوباً من جانبها، وعملت على الامتداد إليه، وركّزت قواتها ومليشياتها، والقوى المحلية المتعاطفة معها في مناطق نفوذها. ولم يقتصر الأمر على القوى الإقليمية وحدها، بل دخلت القوى الدولية أيضا إلى الساحة، وبالتنسيق والتفاهم مع الأطراف الإقليمية المتخاصمة، لتكون بصيغةٍ ما الضامن لعملية ضبط الأدوار، وتقاسم مناطق النفوذ.

وقد أسهمت الخلافات الخليجية في تكريس وضعية الاستقطاب الإقليمية، في وقت كانت فيه الدول العربية، بل والمنطقة بأسرها، في حاجة إلى قوة رشيدة متماسكة، قادرة على التخفيف من حالة الاستقطاب، ومد الجسور مع مختلف الأطراف الإقليمية، من أجل البدء بعملية حوار، تكون مقدمةً لتفاهماتٍ وتوافقاتٍ لصالح ما فيه خير شعوب المنطقة جميعها.

ولكن ما حصل أن الموقف الخليجي نفسه تحوّل، هو الآخر، إلى وجهٍ من أوجه الاستقطاب والاصطفاف مع هذه القوة الإقليمية أو تلك، وذلك في سعي إلى الاستقواء، وتلافي المخاطر المحتملة بالنسبة إلى كل دولةٍ بمفردها، وبناء على أولوياتها. وقد أدى ذلك كله إلى استنزافٍ غير عادي للطاقات، تجسّد، بصورة أساسية، في شراء مستلزمات دفاعية هائلة التكاليف، لم تكن الدول الخليجية في الأحوال العادية بحاجة إليها، وإنما أقدمت على ذلك استجابة لعمليات الضغط والابتزاز التي فرضتها عليها القوى الكبرى لحساباتها الخاصة.

المصالحة الخليجية - الخليجية، أو على وجه التحديد، المصالحة السعودية القطرية، مهمة إلى الحد الأقصى في ظل الأجواء القاتمة التي تخيم على المنطقة، نتيجة هيمنة المتشدّدين على القرار الإيراني؛ واعتماد الحكومة التركية على "الإنجازات الخارجية" للتغطية على المصاعب والمطالبات الداخلية؛ وإصرار القوى المتشدّدة في إسرائيل على التهرّب من استحقاقات السلام مع الفلسطينيين، على قاعدة احترام الوجود والحقوق. هذا إلى جانب عدم وضوح معالم الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي ستعتمدها إدارة بايدن الديمقراطية في التعامل مع قضايا المنطقة.

المصالحة الخليجية مهمة، ومطمئنة لشعوب دول الخليج أولاً، والتي ترتبط فيما بينها بأواصر وثيقة من القرابة والمصالح. كما أنها (المصالحة) مهمة أيضاً بالنسبة إلى الشعوب والدول العربية التي تعاني من أزماتٍ عميقةٍ نتيجة عجز أنظمتها عن وضع الحلول، أو الاستعداد لتحمل استحقاقاتها؛ كما تعاني الدول المعنية من التدخلات الأجنبية المباشرة التي تتمثل في الأوضاع الميدانية والإدارية، والسيطرة الأمنية والعسكرية، والتوجيهات السياسية.

منطقتنا تعيش عملياً منذ نحو عشر سنوات، بل وأكثر، حالة حربٍ إقليميةٍ كبرى بمظاهر مختلفة، وعبر الوكلاء المحليين والمليشيات الوافدة التي تم جلبها من مناطق أخرى لتقحم إقحاماً في الصراعات الدائرة في هذه الدولة أو تلك، خصوصا في سورية واليمن والعراق. وستستمر هذه الحالة في ظل الحسابات الراهنة والمحتملة للقوى الكبرى، خصوصا حسابات كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، ما لم تكن هناك مبادرة إقليمية واضحة جريئة، تُطرح للحوار والتفاهم بين القوى الإقليمية الأساسية، بهدف تحديد قضايا الخلاف، والعمل على إيجاد الحلول لها، وتحديد المصالح الخاصة بكل طرف، حتى يتم أخذها بالاعتبار.

وبناء على المعطيات الراهنة، وفي ضوء الاصطفافات والاستقطابات القائمة في المنطقة، وتشعبها في مختلف الأزمات، نرى أن المجموعة الخليجية بقيادة السعودية هي المؤهلة أكثر من غيرها لطرح مبادرةٍ كهذه، والعمل على تسويقها دولياً، وإقناع مختلف الأطراف الإقليمية بالتفاعل الإيجابي معها، فالسعودية بما تمثله من رمزية عربية - إسلامية، وما تمتلكه من موارد بشرية ومالية، قادرة على التأثير وتحمّل مسؤولية ما تطرحه. كما أن الدول العربية الخليجية الأخرى تمتلك المؤهلات الدبلوماسية، والقنوات المفتوحة مع جميع القوى الإقليمية الأساسية في المنطقة (تركيا، إيران، إسرائيل) ومصر بطبيعة الحال، ما يمكّنها من التحرّك والتواصل، والدعوة إلى مؤتمر إقليمي عام، تتم فيه مناقشة جميع قضايا المنطقة وأزماتها. مؤتمر مفتوح، لا يقتصر على الجانب السياسي وحده، بل يشمل حواراتٍ معمقةٍ بين مفكرين وأكاديميين وإعلاميين ورجال دين، إلى جانب رجال الاقتصاد، من مختلف الاتجاهات، ومن سائر مجتمعات المنطقة؛ بهدف التوصل إلى تفاهماتٍ واتفاقياتٍ تضع حدّاً للحروب العبثية، والصراعات العقيمة التي أنهكت الدول والمجتمعات والأفراد في منطقتنا؛ وتسبّبت في مآسٍ تستعصي على الوصف. وهناك تجربة سابقة، تمثلت في مبادرة السلام العربية التي هندستها وأطلقتها السعودية عبر جامعة الدول العربية في قمة بيروت عام 2002. ولكننا اليوم في حاجةٍ إلى مبادرة أوسع، وأشمل وأوضح، وذلك بناء على المتغيرات التي تمت، وطبيعة الصراعات الجارية.

تبدو قضايا المنطقة معقدة مستحيلة الحل، إذا ما استمرّت المواقف الراهنة، والسياسات اللاسياسية، والخطابات الشعبوية على ما هي عليه حالياً. واستمرّت أجواء عدم الثقة والمنافسة بشكلها الراهن. ولكن إذا كانت الإرادات موجودة، وإذا كان أصحاب القرار مدركين طبيعة المصالح المنتظرة وحجمها في حال التوافق؛ وعلى اطلاع تام بماهية المخاطر والانهيارات القادمة في حالة استمرارية الصراعات المشتعلة حالياً؛ فإن إمكانات التفاهم قابلة للتحقق، وفرص تبادل المصالح، وتعميمها، هي الأخرى واقعية. وقد ضحّت شعوب منطقتنا كثيراً، وتحمّلت كثيراً. وهي اليوم تعيش حالة يأسٍ نتيجة انسداد الآفاق؛ وهذا ما يهدّد مصير الملايين من الأجيال المقبلة.

وبناء على ما تقدّم، ستأخذ المصالحة الخليجية بعدها المطلوب المنتظر، إذا ما تحولت إلى رافعة إقليمية للنهوض بالمنطقة كلها من حالة الإنهاك الذي تعيشه نتيجة الحروب والصراعات، لتصبح ساحةً للتمازج والتفاعل الحضاريين بين مختلف الثقافات، ومنصة للحوار المثمر المبني على الاحترام المتبادل بين أتباع كل الأديان والمذاهب، ومن دون أي استثناء. وما سيترتب على تحقق خطواتٍ من هذا القبيل، هو تشابك الفعاليات والإمكانات الاقتصادية والعلمية والتقنية لتحقيق نهضة تنموية مستدامة، تضمن فرص التعليم والعمل والتطور الإبداعي للأجيال الشابة، حتى تكون مجتمعاتنا مهيأة لمواجهة التحدّيات المعرفية والاقتصادية والبيئية على المستويين، الإقليمي والعالمي؛ وتتحوّل منطقتنا إلى ركيزة من ركائز الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين، وتكون فاعلةً في ميادين الاقتصاد والتقدّم التقتني والبحث العلمي على المستوى العالمي.

هذا الطرح سيقول عنه كثيرون إنه حالم، ولا ننكر ذلك، ولكننا نتساءل هنا: ألم تكن كل الإنجازات مجرّد أحلام في بداية الأمر، حتى تحولت إلى أفكار لتحقق لاحقاً في الواقع العملي؟ ونضيف: من كان لديه حلول أخرى أفضل، وأكثر واقعية، فليتفضّل بها مشكوراً.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".