النظام الأمني وهجرة اللبنانيين
تشرين الأول 11, 2021

سعد كيوان

عزّز النظام الأمني اللبناني - الإيراني الزاحف منذ فترة قبضته، منذرا اللبنانيين بأنه سيقطع عنهم حتى إمكانية التنفس، بمنعه مسرحية عنوانها "تنفيسة"، كانت تعرض على مسرح المدينة في شارع الحمرا في بيروت. هذه "التنفيسة"، أي فشّة الخلق التي يتوهم اللبنانيون أن بامكانها ان تزيل عنهم كابوس سلطة جائرة ووقحة وفاسدة وفاشلة، وخاضعة بدورها للحابس الفعلي لأنفاس اللبنانيين والمستمد سلطته من الملالي في طهران. وقد بدأ مسلسل قمع الحريات أولى خطواته، عندما انبرى أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، في اليوم الثالث لانتفاضة "17 تشرين" 2019 متحدّيا الحشود الشبابية التي كانت تملأ الساحات، متوعدا بأنه لن يسمح بإسقاط الحكومة ولا باستقالة رئيس الجمهورية، أي عمادي السلطة التي ركّبها حزب الله نفسه، بفرضه انتخاب ميشال عون رئيسا في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول 2016 بعد فراغ رئاسي دام سنتين ونصف السنة. حاول يومها نصرالله "التلبنن"، رافعا وراءه أول مرة العلم اللبناني، ونصّب نفسه مدافعا عن السلطة والنظام الذي بات طيّعا بين يديه، فيما راحت عناصره المليشياوية وأجهزته القمعية تقتحم الساحات وتحرق خيم المعتصمين في بيروت والجنوب، وتعتدي على رافعي شعارات إسقاط السلطة، متهما المطالبين بالسيادة بأنهم عملاء ومأجورون تابعون للسفارات الأجنبية.

أدرك حزب الله أن مطلب إسقاط السلطة متلازم مع مطلب الحرية، فراح يعزّز قبضته الأمنية. سقطت يومها الحكومة، ولم يسقط الرئيس الحليف الأمين والمطواع الذي يعلن ويجاهر أن لبنان بحاجة إلى سلاح مليشياوي، لأن الجيش الشرعي لا يزال غير قادر على حماية لبنان، ويغطّي حزب الله في تدخله العسكري في سورية دفاعا عن النظام، ويرسل صهره ورئيس التيار العوني، جبران باسيل، إلى دمشق لممالأة بشار الأسد، ويسكت عن تخريب حزب الله علاقة لبنان بالدول العربية، وذلك كله مقابل بعض الكراسي والمناصب الحكومية والإدارية والصفقات المالية. وجاءت الانتخابات البرلمانية في ربيع 2018 لتعزّز سيطرة حزب الله، إذ أعلن رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وقتها، قاسم سليماني، مزهوّا أن الأكثرية النيابية أصبحت في يد حلفائه في لبنان...

غير أن "ثورة 17 تشرين" غافلته، واضطرّ حزب الله إلى ممارسة السلطة بشكل فعلي ومباشر، على الرغم من سيطرته على قرار الحكومة والأكثرية النيابية، لأن غضب الشارع بدأ يشتد ويتسع، ليطاول شرائح اجتماعية ومناطقية لا تتحرّك عادة، محاولا إجهاض الحراك الشعبي الذي امتد وعمّ مناطق سيطرته في محافظة الجنوب من صور إلى النبطية وبنت جبيل. ثم حصل تفجير مرفأ بيروت الذي كان بمثابة "القشّة التي قصمت ظهر البعير" إذ سلط الأضواء، ووجه أصابع اتهام إلى حزب الله باعتباره المسهّل أو المتواطئ أو المنفذ، والذي أكد أداؤه الشبهات التي تحوم حوله، بدليل الهجوم المتكرّر لنصرالله منذ بداية التحقيق على المحقّق العدلي الأول، وتمكّن، مع حلفائه في السلطة، من كفّ يده، وهجومه المركّز والمثير للريبة على القاضي الثاني في كل إطلالة له على الشاشة، فيما راح يعلو بقوة صوت المعارضين لسلاحه، والذين يعتبرون أن لبنان أصبح تحت الاحتلال الإيراني، ويعلنون أن الهدف الأساسي وعنوان المواجهة أصبح إزالة هذا الاحتلال، وهذا هو المطلب الاخطر بالنسبة لحزب الله. وإذ بسبحة الاغتيالات تكرّ، من العقيد الجمركي والمسؤول عن شعبة مكافحة المخدرات وتبييض الأموال، جوزف سكاف الذي وجد مقتولا أمام منزله عام 2017 في "ظروف غامضة" إلى الضابط الجمركي منير أبو رجيلي الذي تقاعد قبل أسابيع من الانفجار، ، ثم الشاب جو بجاني الذي اغتيل صباحا بكاتم للصوت أمام منزله بعد أسابيع على الانفجار، وكان قد حضر إلى المرفأ، والتقط صورا لحظة وقوع الكارثة. ومع توسّع التحقيق وازدياد الضغط السياسي والإعلامي، طاولت يد الغدر في 4 فبراير/ شباط 2021 الناشر والمثقف والناشط السياسي، لقمان سليم، وهو المعروف بمعارضته القوية حزب الله، والذي كان قد كشف، قبل أساببع من اغتياله، على إحدى محطات التلفزة العربية عن معلومات تفيد بضلوع حزب الله في تغطية تخزين نترات الأمونيوم في المرفأ، وفي شحنها إلى سورية، لكي يستخدمها النظام في البراميل المتفجّرة التي كان يلقيها على المدنيين منذ أواخر عام 2013، بعدما اضطر للموافقة على تسليم سلاحه الكيميائي. وبعد جريمة اغتيال سليم بأسبوعين، تم كف يد المحقق العدلي الأول، فادي صوان، عن ملف التحقيق في جريمة المرفأ. وبعد مضي ثمانية أشهر على جريمة الاغتيال، ما زال ملف التحقيق فارغا، علما أنه تمت تصفيته بكاتم للصوت في الجنوب، في منطقة خاضعة لنفوذ حزب الله.

وقد أدّت موجة الاغتيالات واشتداد قبضة حزب الله الأمنية في ظل الغياب الكامل لسلطة الدولة، ونجاح الطبقة السياسية متضامنة في إفشال "ثورة 17 تشرين" وتشتيت قواها، إلى إشاعة مناخ من اليأس والإحباط دفع إلى موجة هجرة كثيفة وغير مسبوقة لم يشهدها لبنان حتى في أشد مراحل الحرب الأهلية. والأرقام التي أوردها مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت تدقّ ناقوس الخطر، فقد بلغت الهجرة، منذ مطلع هذه السنة (2021) إلى أغسطس/ آب الماضي، 260 ألف شخص، بزيادة 82% عن الفترة نفسها من العام 2020. وقد اشتد الضغط على مراكز الأمن العام للحصول على جوازات سفر، تجلت في طوابير تبدأ من الرابعة فجرا إلى درجة أن عدد الطلبات تجاوز ثمانية آلاف يوميا. وبمقارنة بسيطة مع المراحل التي مر بها لبنان في الماضي تظهر خطورة موجة الهجرة اليوم، إذ إبّان الحرب العالمية الأولى وخلال المجاعة التي أصابت لبنان عام 1914، هاجر من جبل لبنان أكثر من 330 ألف مواطن، وقدّرت الهجرة خلال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، أي خلال 15 سنة، بـ 990 ألف شخص.

المفارقة أن هجرة اليوم ذات الأفق المسدود تشمل فئة الشباب تحديدا، سيما منهم المتخرّجون في الجامعات، وبحسب مرصد الجامعة الأميركية أن 77% من الشباب اللبناني يستعجلون لمغادرة البلاد، وهي النسبة الكبرى في المنطقة العربية. وهناك أشخاص من النخب المنتجة وأصحاب مهن واختصاص غادروا لبنان خلال الأشهر الماضية، منهم عدد كبير من أساتذة الجامعات (190 من الجامعة الأميركية فقط)، ومنهم الأطباء والمهندسون والمحامون والصحافيون ورجال الأعمال، وهؤلاء لأسباب اقتصادية معيشية، إذ تدنّت مداخيلهم في لبنان إلى الحدود الدنيا من جرّاء ارتفاع قيمة العملات الأجنبية مقابل الليرة، أو أن بعضهم فقد عمله بالكامل من جرّاء الانهيار الحاصل.

تتوزّع موجة الهجرة الكثيفة على المناطق اللبنانية كافة. و"للمصادفة" ينتمي غالبية من هؤلاء إلى الطوائف المسيحية، ومن شأن هذا الأمر أن يساهم في زيادة الاختلال الديموغرافي، ويهدّد مستقبل خيار العيش معا بين الطوائف ومسألة التعدّدية والتنوع التي تميز لبنان. ولهذا السبب، رفع بطريرك الموارنة بالأمس بشارة الراعي الصوت، مناشدا السفارات عدم إعطاء تأشيرات سفر من أجل وقف نزف المسيحيين عبر الهجرة. في المقابل، الذين يصعب عليهم الحصول على تأشيرات سفر، هم المنتمون إلى بيئة حزب الله، المذهبية والسياسية، لأن عقوبات دولية ومقاطعات عربية تطاول الحزب، وتنعكس سلبا عليهم وتحاصرهم في الخارج. ناهيك عن الخوف الشائع بقوة عن سعي حزب الله إلى فرض صيغة نظام جديد تقوم على استبدال المناصفة بين المسيحيين والمسلمين التي أقرّها وثبّتها "اتفاق الطائف" عام 1989 بالمثالثة المذهبية، أي بين مسيحيين وسنة وشيعة ورسم خريطة جديدة لتركيبة السلطة من خلال استغلال هذا الخلل الديموغرافي الذي يصيب المسيحيين. وهكذا، بدل الذهاب إلى إلغاء الطائفية السياسية (المادة 95 من الدستور) في تركيبة السلطة، وفي التمثيل النيابي، وفي الإدارة، بحسب ما جاء في اتفاق الطائف نفسه الذي ينص على تشكيل برلمان خارج القيد الطائفي، ومجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف الروحية بشكل مباشر، حفاظا على خصوصية كل منها، فإن حزب الله، الثيوقراطي العقائدي والشمولي، يعمل على تأجيج النعرات الطائفية، وعلى استبدال نفوذ طائفي أو مذهبي بنفوذٍ آخر من طوائف أو مذاهب أخرى، ظنا منه أن لبنان يمكن أن يتحوّل إلى إيران أخرى. وهذا وزير خارجية إيران أول الواصلين (والوحيد) لتهنئة الحكومة الجديدة.

وعلى الرغم من أن شبكة هذا النظام الأمني تمدّ خيوطها بشكل متدرّج، وإنما متماسك وحاسم، فإن حزب الله لا يبدو مطمئنا، وليس بإمكانه أن يطمئن في بلدٍ يقوم على الحرية وعلى التعدّد السياسي والحزبي والتنوع الطائفي والاجتماعي والثقافي. لذلك لا يتحمّل الانتقاد، وتراه يلجأ إلى القمع المباشر للحريات، وبشكل علني وسافر، إذ يقتحم المسؤول الأمني فيه قصر العدل، ويوجه رسائل تهديد إلى المحقق العدلي في جريمة تفجير المرفأ ("إذ استمر على هذا المنوال سنقبعه") من دون أن يتحرّك أو يدلي أحد، لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة ولا أي من النواب أو السياسيين قاطبة، ولو بتصريح يستنكر فيه هذا الاعتداء الوقح على هيبة القضاء واستقلاليته. وهذه مسرحية، عمل ثقافي يتناول مسألة القمع والاستبداد في الحكم، وينتصر لحرية الرأي والتعبير، يتم منعها، غير أن فريقها تحدّى المنع وخرج إلى الشارع مستكملا عرضه... وهكذا تبدو المواجهة بين حزب الله واللبنانيين!

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".