النواب "التغييريون" واختبارات الحُكم في لبنان
تموز 07, 2022

دلال البزري

نواب السلطة في لبنان يتوَّجون بأكاليل الغار يومياً، ومعهم النواب الذين أطلقوا على أنفسهم صفة "المستقلين". وهؤلاء يتجاوز عددهم المائة والعشرة. والاثنان يشكلان أكثرية ساحقة في البرلمان الجديد، فيما النواب الذين اتُفِق على تسميتهم "التغييريين"، وهم أقلية ساحقة (13)، موضوعون تحت مجهر إعلام السلطة، الذي لا يتوقف عن تسخيفهم، والحطّ من شأنهم، والسخرية من قدراتهم ومن تشتّتهم ومن لباسهم وقصّة شعرهم، ومجهر الذين صوّتوا لهم، وهم يراقبونهم، ويقيّمونهم، يحكمون عليهم. يشكّون في إخلاصهم الثوري، أو يؤكّدونه. إذ لا يتّفقون هم أنفسهم على رأي واحد بشأن ممارسة أولئك النواب البرلمانية.

والأيام اللبنانية عامرة بنوعية الأحداث المغذّية لهذين "النقدَين": نائب من هنا يصرّح لتلفزيون المنار، بعيْد فوزه بالنيابة، بأنه مؤيد لـ"المقاومة"، ويذهب إلى دمشق ليلقي محاضرة "علمية" طبية، بدعوة من نقابة الأطباء السوريين التابعة رسمياً لنظام الأسد. وآخر يزور المفتي عبد اللطيف دريان، ليعبّر له عن رفضه قانون الزواج المدني الذي طُرح فجأة للتداول والنقاش. وثالثة تبدي إعجابها برئيس البرلمان المعمّر، ثاني رؤوس المنظومة، وآخرون يلبسون بنطلون الجينز وهم يدخلون قاعة البرلمان، أو يمارسون نجوميةً مبكرة. أو هم سذّج في السياسة، خصوصاً في موضوع الترسيم البحري، إذ يخوضون معركةً خارج مكانها وزمانها، عندما يحشدون من غير نجاح، للمطالبة بخطٍّ بحري أوفر من ذاك الذي تعتمده السلطة ضمناً وعلانية في "مفاوضاتها" مع المندوبين الدوليين.

وبعد "النقد"، تأتي "النصيحة المبْنية على تجربة"، من أصدقاء النواب التغييريين، المتعاطفين معهم والمقترعين لهم. ودائماً النصيحة ذاتها، بلا كلَل ولا ملَل. وقد سبقت فوزهم، وكانت تُلقى بعناد وإصرار، كلما ابتعد مرشّحو التغيير عن الاتفاق في ما بينهم. وهي الآن تتجدّد، من أنه عليكم القيام بخطوتين: أولاً، أن تتّفقوا على برنامج محدّد، تفصيلي ودقيق. ثانياً، بعد الاتفاق، عليكم ان تؤسّسوا حزباً واحداً، أو جبهة واحدة، أو كتلة. ويكون لهذا "الكيان" رئيس ونائب رئيس... إلخ من مواصفات الحزبية المتداولة.

وتأتي التفسيرات، لتبرّر أحياناً أفعالاً ناتئة، خارجة عن "الدرب الثوري". وهي، رغم تبريريتها، إلا أنها تحمل شيئاً من "المنطق السياسي". مثلاً: النائب "التغييري"، ياسين ياسين، الذي ذهب إلى المفتي، وقد شارك في الثورة، ودعمها وقاد بعض تظاهراتها. ولكنه لا يستطيع غير مراعاة "البيئة المحافظة" التي تصوّت له، والتي خاض الانتخابات انطلاقاً منها. وفي الوقت عينه، تدعمه أحزاب تقدّمية في حملته الانتخابية، من الحزب الشيوعي إلى منظمة العمل اليساري (منظمة العمل الشيوعي سابقاً). والأخيران، الحزب والمنظمة، "يراعيان" هذه البيئة، و"يتفهّمان" التشدّد الإسلامي لمرشّحهم، رغبة منهم في إيصاله إلى البرلمان.

مثلٌ آخر: النائب الجنوبي، إلياس جرادة، لا يختلف عن زميله البقاعي. صحيحٌ هو ترشَّح على لائحة "الثوار التغييريين"، وشارك في الثورة، ولكن ليس في مقدوره أن يخرج من بيئته الاقتراعية، هكذا بهذه السهولة، وإلا لما كان حصل على الأصوات التي جعلته نائباً. وكذلك دعمته المجموعات "الثورية"، وهي أيضاً تراعي حزب الله وكبرياءه الانتصارية.

وإذا توفرت النيات الطيبة، واستجاب النواب "التغييريون" لنداء البرنامج الواحد والكيان الواحد، لن يغرفوا من "تراثهم" إلا النماذج المعادية لثوريتهم وحرّيتهم. أمامهم أحزاب "ناجحة"، بقيت في السلطة، في البرلمان وفي الدولة العميقة، وفي غيرها من مؤسسات رسمية. وتختلف درجات انضباطها باختلاف صلابة تماسك حزبها القائد، وتبعية نوابه لزعيمه.

مثلاً: سعد الحريري يتصرّف بنوابه كما تنْصحه موازينه. عندما يقرّر الانسحاب من الحياة السياسية ومن الانتخابات، يأمر نوابه بأن يفعلوا مثله، وبالإذعان. ومن يتمرّد منهم ويترشّح لهذه الانتخابات، يحاربه، بل يجيّر أصوات ماكينته الانتخابية لمرشّحي خصومه المفترَضين، فتتطاير شخصيات "عهده" السابق، وتضيع بين رابح وخاسر، ومنْتحل صفة "مستقل". على عكس حزب الله، نوابه تدرّبوا، ودرسوا، وحفظوا، وحجّوا. كلامهم هو الأشدّ تماسكاً من بين كل النواب الآخرين. مثل السمفونية الموسيقية الواحدة، بنوتةٍ منضبطة، بلا أية غلْطة. يعلمون أنهم هنا في البرلمان عن سابق تعبئة وأدلجة ولغة. وإذا خرق أحد هؤلاء النواب واحدةً من الثوابت، كما فعل النائب السابق، نواف الموسوي، يُقتلع بسرعةٍ من المجلس، مثل النبْتة الضارّة، تحت اسم "استقالة"، ويُستبدل بنائب آخر، بعد شهر ونصف الشهر، فاز بالتزكية في انتخابات فرعية. بكلام آخر، إذا بحثَ نواب التغيير عن "تجربةٍ" ناجحة في ممارسة الشأن النيابي، لن يجدوا غير هذه النماذج. أو ما يشبهها من نماذج "تقدّمية ثورية" سابقة عليها، بأمينها العام الخالد برنامجها المطحون بالمؤتمرات والانشقاقات وآلاف الصفحات من التنْظير.

والمعنى من ذلك كله أن النواب الذين ينتخبهم المواطنون، بوصفهم ممثّلين عنهم، عن "الأمة"، هم في الواقع ممثلون لأحزابهم. بل أكثر من ذلك: أولئك النواب هم "ملكية" أحزابهم التي رشّحتهم. من حقها أن تتصرّف بهم كما تشاء. والفرق بين هذه الأحزاب هو في درجة انصهارها وإنضابطها وأدلجتها، وطبعاً عيارات انتصاراتها الثقيلة. هكذا، تكون ملكية سعد الحريري نوابه مهزوزة، وملكية حزب الله نوابه صلبة كالصخر. وكأن هناك نوعا من التناظر مع درجة العصبية التي تحكم الطائفتين. كلما قويت انصهر النائب في حديدها، وكلما ضعفت، ارْتخت قبضتها على نائبها.

وبالنتيجة، تجربة التحزّب والبرنامج كانت عاتية. والثورة أصلا رفضتها منذ البداية. وكانت بذلك تعبّر عن مخزونها، عن تمسّكها بفردياتها وتنوّعها ورفضها تجارب الأحزاب كلها، سواء كانت من داخل السلطة أو خارجها. وكانت هذه صفة إيجابية للثورة، انقلبت إلى سلبية عندما بدأ الأمر يتعلق بممارسة الحكم عبر البرلمان. وما لا يساعد على "التثوير" أن النواب الذين فازوا في البرلمان ارتضوا بالقوانين الانتخابية الطائفية، ودخلوا النظام. وهم بذلك أخضعوا أنفسهم لقوانينه. فوق ذلك، فعلوا كل ما يفعله مرشّح في الانتخابات الديمقراطية: غازلوا قاعدتهم الانتخابية، ووعدوها بالجنة، فتضاعفت بذلك أقنعة السلطة وتراجعت وجوه الثورة.

ثمّة وجهتا بالنظر إلى نواب التغيير: واحدة بحثت عن الأمل فوجدته فيهم، والأخرى غارقة في لذّة اليأس، وكل نواب التغيير ضالتها. والوجهان مُغريان ومريحان، معفيان من الشكَ. وحولهما أيضا يوجد انقسام. كما يجدر بكل لبناني مع هذا أو ذاك، وبكل جوارحه. وبين هاتين الوجهتين الجارفتين، هناك أيضا مجتمع، أو بالأحرى مجتمعاتٌ تصنع المادة الواقعية المغذّية لهما: مجتمعات متناهية الصغر، متنوّعة إلى أبعد الحدود، متضاربة، بقيم وأخلاق مختلفة وعادات وتقاليد على الدرجة نفسها من التباين. وهويات خارقة للحدود، أو ممْتثِلة لها بميوعة، أو متراجعة عنها في سرّها. تتعايش مع فردياتٍ لا تقل عنها تنوّعاً .. والنقطة المشتركة بين كل بيئاتها أنها سمحت بنمو نوع من النرجسية، متنوِّعة الأشكال أيضاً، فالمشهد يغصّ بالشخصيات، بالأفراد، بالمواطنين. لن تجد في الدنيا كلها هذا الكم من الفرديات المنْفَرِدة. ولكي تجمع كل هذا التنوع، من دون أن تخنقه بالإيديولوجيات والأجنْدات، تحتاج إلى تجربة النواب "التغييريين". مهما كانت درجتها من النجاح أو الإخفاق. تجربتهم جديدة، أوجدت هذا الباب من النقاش. وكلما تقدموا أو تراجعوا فتحوا ثغرة، هم أنفسهم ربما لا يعرفون إلى أين ستفضي. ولكنهم، في الوقت عينه، وضعوا أمام أعيننا مختبراً يجدُر مراقبته بقليل من العواطف السياسية والحدّ الأدنى من الموضوعية.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".