باريس تراهن على واقعية «حزب الله»
نيسان 21, 2022

جوني منيّر

ما من شك انّ الغزو الروسي لأوكرانيا شكّل بداية لفوضى عالمية جديدة، وقد عززها فشل الجيش الروسي في حسم الحرب سريعاً. هذه الفوضى دفعت بأوروبا الى إعادة صوغ رؤيتها الاستراتيجية. وأجبرت الولايات المتحدة الاميركية على تعديل برنامج أولوياتها والتركيز على مواجهة روسيا مع المحاذرة من الانزلاق الى حرب مباشرة معها.

التركيز الاميركي على أولوية الملف الروسي جاء على حساب ملفات اخرى وفي طليعتها ملف الشرق الاوسط. وهذا ما جعل اسرائيل تندفع لإرساء نظام اقليمي جديد يرتكز في بعض جوانبه على ما بات يُعرف بـ«اتفاقيات ابراهيم»، وهو ما سيمهّد لربطها عسكرياً بالدول العربية التي طبّعت معها، وباكورة هذا الربط العسكري جاءت من خلال مناورات عسكرية مشتركة وشراء اسلحة اسرائيلية والسعي الى إقامة أنظمة دفاع جوي مشتركة في وجه ايران.

هو دور متقدّم لإسرائيل ساهم فيه الابتعاد الاميركي الجزئي عن المنطقة، ولا بدّ من الإشارة ايضاً الى ما يتردّد حول دخول اسرائيلي صامت على خط إصلاح العلاقة بين السعودية والادارة الاميركية.

والغياب الاميركي الجزئي عن الشرق الاوسط من الطبيعي ان يشمل الساحة اللبنانية ايضاً خصوصاً انّ الواقع الصعب، لا بل المأسوي، الذي يعيشه اللبنانيون، يحتّم وجود دور خارجي لمواكبة ورعاية المرحلة المقبلة الحافلة بالاستحقاقات الأساسية، وعدم ترك الساحة لـ«حزب الله» وحده، وبالتالي للنفوذ الإيراني. وطالما انّ فرنسا ومن خلالها اوروبا مهتمة بالساحة اللبنانية ولديها مصالح فيها، فكان من المنطقي ان تعمد واشنطن إلى تكليف باريس بالشأن اللبناني بمواكبة اميركية من بعيد وبنحو غير منظور.

صحيح انّ زلزال اوكرانيا ضرب اوروبا في العمق، لكن القارة العجوز تدرك حساسية الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، مرة بسبب الغاز والتخطيط مستقبلاً للتخلّي عن الغاز الروسي، ومرة ثانية بسبب أمن اوروبا، حيث عملت التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش» للاستفادة من انشغال الجميع بالحرب في اوكرانيا، وبالتالي العمل على استئناف هجماتها في اتجاه اوروبا من خلال التسلّل عبر تركيا ولبنان.

لذلك، تنتظر باريس انتهاء انتخاباتها الرئاسية ومن بعدها الانتخابات النيابية اللبنانية، للانطلاق في اتجاه ترتيب مرحلة إعادة الاستقرار الى لبنان. وعملت الإدارة الفرنسية رغم انشغالها بـ«دوشة» انتخاباتها الرئاسية وزلزال اوكرانيا، على التمهيد لترتيب المرحلة المقبلة في لبنان، مرة من خلال موفديها الى لبنان ومرات من خلال سفارتها في بيروت.

صحيح انّ الدخول الفرنسي بحلّته الجديدة دشّنه الرئيس الفرنسي خلال زيارته الاولى، وخصوصاً الثانية الى بيروت. إلاّ انّ الدور الفرنسي افتقد في مرحلته الاولى الى الحنكة، وبدت خطة التطبيق الفرنسية ساذجة في بعض جوانبها. وارتكب ماكرون عدداً من الأخطاء الفادحة بدءاً من لقاء «قصر الصنوبر» الشهير. لكن مع مرور الوقت، عملت باريس وبدعم اميركي خفي على أخذ الدروس والاتعاظ من الأخطاء التي ارتكبتها، خصوصاً انّ الساحة اللبنانية اشبه بأدغال سياسية تختزن كثيراً من الأفخاخ والمكامن.

ومع نجاح فرنسا في إيصال «حليفها» نجيب ميقاتي الى رئاسة الحكومة وتأمين النجاح للولادة القيصرية للحكومة، بدا انّ باريس أعادت ترتيب اوراقها تحضيراً لمرحلة ما بعد الانهيار الذي دمّر ركائز مؤسسات الدولة، وهي تستند خصوصاً على ورقتين أساسيتين: الاولى، تواصلها المباشر مع «حزب الله» في موازاة علاقة تفاعلية مع طهران. والثانية، إمساكها ولو بعناية بالورقة السنّية في لبنان بمساعدة غير ظاهرة من مصر، وهي التي تمتاز تاريخياً بعلاقتها مع المسيحيين. وادّى تواصلها المستمر مع «حزب الله» بمواكبة السفير الايراني في بيروت في بعض الأحيان، الى تأمين حصول الانتخابات النيابية في موعدها، والهدف الاول المطلوب هو إعادة إحياء مبدأ احترام المواعيد الدستورية وتداول السلطة.

صحيح انّ باريس وعدداً من العواصم الغربية كانت تعوّل على ترجمة معارضة غالبية الشعب اللبناني للطبقة السياسية اللبنانية من خلال صناديق الاقتراع، الّا أنّها فوجئت بالأداء السيئ للذين صنّفوا أنفسهم معارضين او تغييريين، الذين ساهموا من حيث لا يدرون، في خطة أطراف الطبقة السياسية بتشتيت لوائحهم وإقصاء بعضهم لبعض بسبب سعيهم الى النجومية وإنجازات شخصية وأهداف خاصة على حساب القضية الام. وبتعبير آخر، هي الذهنية نفسها ولو بلبوس معارض، على الرغم من الدعم المعنوي الذي كانت قد منحته سابقاً لرعاية الحالة الاعتراضية. التوقعات الغربية تؤشر حتى الآن إلى تغييرات محدودة على مستوى تركيبة المجلس النيابي المقبل. في مقابل تأكيد الحضور التمثيلي الصلب لـ«حزب الله». لكن اياً تكن النتيجة، الّا انّ ركائز المنظومة السياسية الحاكمة ستتزعزع بطريقة او بأخرى.

الّا انّ للاوساط الديبلوماسية الاوروبية قراءتها المبنية على متابعتها للواقعين اللبناني والاقليمي. فالتواصل الفرنسي مع «حزب الله» تضمن تفاهماً حول ضرورة انعقاد مؤتمر حول الأزمة اللبنانية في باريس خلال الصيف المقبل. الّا انّ هذا التداول لم يتطرق الى تفاصيل هذا المؤتمر، والمدى الذي يمكن ان تصل اليه التعديلات الدستورية كممر إلزامي لإغلاق حقبة الانهيار وتمزّق مؤسسات الدولة، وتدشين مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار، وتبدأ مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية. على ان يواكب ذلك إعادة إحياء مؤتمر «سيدر» الذي يشكّل حاجة ماسة للاقتصاد اللبناني، ولكن مع إدخال تعديلات عليه، بحيث يتلاءم مع المرحلة المنتظرة. ويصلح هنا تسمية ما هو مطروح بـ«سيدر جديد»، او «سيدر» رقم اثنين.

ولا مجال للشك لحظة واحدة، في أنّ واشنطن التي وافقت على الدور الفرنسي في لبنان، تتولّى متابعة المهمة الفرنسية عن قرب، ومن خلالها قنواتها الديبلوماسية. لكن طالما انّ التفاهم الفرنسي مع «حزب الله» لا يزال في العناوين العريضة ولم يطاول بعد التفاصيل المهمّة، ألا انّ يُخشى من خلاف في مرحلة لاحقة، وبالتالي من صدام، طالما انّ الشياطين تكمن في التفاصيل؟

والمقصود هنا، أنّ «حزب الله» وعلى الرغم من نفيه العلني والرسمي، قد يهدف الى نسف الدستور المنبثق من اتفاق الطائف والذهاب الى دستور المثالثة على سبيل المثال. وهنالك عشرات التلميحات الجدّية في هذا الإطار.

أضف الى ذلك، انّ «حزب الله» رحّب ايجاباً وفي وضوح بدعوة الرئيس ايمانويل ماكرون خلال اجتماع قصر الصنوبر، بإنجاز عقد اجتماعي جديد للبنان. وقد يكون تفسيران مختلفان لذلك، كي لا نقول متناقضين.

الّا انّ الاوساط الديبلوماسية المتابعة لديها قراءة متأنية ومختلفة لموقف «حزب الله». هي تقرّ بأنّ للحزب قيادة براغماتية وتتحلّى بمقدار كبير من الذكاء والمرونة في آن معاً. وبالتالي فهي تدرك أنّ الأفق في لبنان، والى حدّ ما في محيطه المباشر، لم يعد مفتوحاً على الحروب.

أضف إلى ذلك، مخاطر الاندفاع طويلاً في مواجهات دموية واستنزاف مكلف وسط بحر الانتشار السنّي في المنطقة. وتستطرد هذه الاوساط في قراءتها بالقول، إنّ التسوية الواقعية في لبنان ستؤمّن الحماية لكل الفئات اللبنانية بمن فيهم «حزب الله»، وبالتالي فإنّ التسوية القائمة على التعددية التي يؤمّنها «اتفاق الطائف» هي المظلة التي تحمي الجميع.

وأعطت هذه الاوساط شواهد تؤكّد قراءتها، وهي ما يتعلق بتصريحات رسمية لمسؤولي «حزب الله» الكبار، والتي تشدّد على المشاركة واحترام مبدأ التعاون بين جميع الفئات اللبنانية. ولذلك تعتقد هذه الاوساط انّ الانتهاء من ورشة الانتخابات الرئاسية الفرنسية ومن ثم الانتخابات النيابية اللبنانية، تستوجب تحضير المسرح اللبناني لتسويات، بهدف إعادة ادخال لبنان الى دائرة الاستقرار، مدعوماً بورشة اقتصادية، على أن يجري انتخاب رئيس جديد للجمهورية من ضمن واقع مستقر وثابت. في الوقت الذي سيتولّى فيه صندوق النقد الدولي رقابة صارمة على خطة الاصلاح، اضافة الى من يقف خلف الصندوق.

المصدر: الجمهورية.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".