برائحة السياسة، الغاز عالميا" الى الارتفاع....ربما
تشرين الثاني 23, 2021

د. محمد موسى

لا يختلف اثنان على ان هناك جملة عوامل أساسية تلعب لا بل وتتحكم بأسعار الطاقة وترسم دوراً هاما في إيصال أسعارها الى القمم او السقوط بها الى الهاوية. ثلة الأسباب وراء الارتفاع الأخير لأسعار الغاز عالميا" تراوحت بين جملة أمور تبدأ مع تزايد الطلب عالميا" في ظل العودة للمعامل والمصانع بعد ان اخذت بعض الدول أنفاسها من ازمة كورونا التي على ما يبدو عائدة من جديد في ظل الحديث عن اغلاقات قد تشكل مدخلا" للزعزعة سوق الطاقة برمته اضاقة الى ذلك حركة النمو الصيني الهائلة وهي اللاعبة الأساسية عبر ابرامها عقود طويلة الاجل خاصة مع اللاعب الخفي و القوي قطر للغاز التي تشكل مدماك أساسيا" اخذ في تطور في السنوات الأخيرة وبصوت خافت، و لكن السؤال الكبير اين دور الدب الروسي المتمكن بقوة في لعبة الغاز المسال وهو الذي يتربع على عرش الصدارة في انتاج الغاز المسال عالميا".

لقد انخفضت أسعار الغاز الطبيعي المسال الفورية على نحو قياسي إلى 1.85 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية في مايو/ أيار 2020 عندما حدّت إجراءات لمكافحة انتشار فيروس كورونا من الطلب على الطاقة مع تدفق إمدادات جديدة من منتجين رئيسيين مثل قطر وأستراليا والولايات المتحدة إلى السوق كذلك فقد خفض منتجو الغاز الطبيعي المسال الإنتاج والشحنات خلال صيف 2020 وهو ما كان له تأثير مطول على مخزونات الغاز العالمية وللتذكير فقد تسبب الشتاء قارس البرودة في 2020-2021 في نقص الإمدادات لدى الكثير من مزودي الكهرباء، وأطلق زيادة في الطلب الفوري وقلّص مخزونات الغاز بدرجة أكبر، بينما أبطأت القيود اللوجستية أوقات التسليم وتلك العوامل، إضافة إلى أسعار الشحن المرتفعة أدت لزيادة كبيرة في الأسعار الفورية للغاز الطبيعي المسال إلى مستوى قياسي عند 32.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في منتصف يناير/ كانون الثاني، وإن عادت الأسعار إلى أقل من عشرة دولارات في نهاية الشهر نفسه لكنها كانت إشارة فعلية لما هو قادم.

 لا شك ان روسيا تمتلك القنابل النووية وتمتلك قدرة عسكرية هائلة وتمتلك أيضا" وأيضا" صوت في مجلس الامن لكن التجربة الأخيرة اكدت ان لروسيا بموقعها الجيو- استراتيجي دور يوازي كل ما سبق.

ان الناظر في القدرة الروسية في احراج العالم وتحديدا" اميركا وأوروبا عبر أنابيب الغاز المنتشرة على رقعة الدومينو في دول القوقاز وصولا الى المانيا مع الإشارة الى أهمية الدور التركي، يؤكد جملة أمور في قوة الدور الروسي في عالم الطاقة. وبعيدا" عن الفوبيا الأميركية من ان الروس هم راس البلاء في كل الأمور وبعيدا" عن الانزعاج الأميركي الذي وصل الى حد القطيعة مع المانيا- ميركل والتي جابهت بقوة حفاظا" على مصالح شعبها الا انه من الواضع ان قفزات الأسعار للغاز المسال عالميا" لن تكون الأخيرة ولعدة أسباب:

أولا": سيبقى الاقتصاد الصيني ومعه اقتصادات أخرى ساعيا" وماضيا" في مسارات التعافي مما سيعزز الطلب وتاليا" ارتفاع الأسعار.

ثانيا": لا شك ان أسعار الغاز الطبيعي ارتفعت إلى مستويات قياسية جديدة ... لأن كمية المخزونات غير الكافية قبيل فصل الشتاء تثير المخاوف من ارتفاع التضخم وأسعار الطاقة على المستهلك في القارة الأوروبية وجزء من اسيا إضافة الى ان قيود الإمدادات هذه يمكن أن تُترجم إلى ارتفاع كلفة نقل الوقود الاحفوري خلال أشهر الشتاء التي تطرق الأبواب وبقوة، وهو احتمال من شأنه أن يزيد من تباطؤ الانتعاش الاقتصادي ويفاقم تراجع مزاج الأسواق في أوروبا تحديدا".

ثالثا": مما يفاقم من أزمة الطاقة في القارة العجوز عدم هبوب الرياح الكافية لمحطات التوربينات والإغلاق التدريجي لمناجم الفحم وسط تدابير حكومية مراعية للمناخ وبالتالي قد تصبح المملكة المتحدة معرضة بشكل خاص لأزمة طاقة بسبب اعتمادها على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء وتلك مسألة غاية في الأهمية والخطورة على كل الاقتصاد البريطاني.

رابعا": لا تزال مخزونات الغاز شحيحة للغاية في أوروبا وآسيا واللتين تمثلان معا 94 بالمئة من الواردات العالمية للغاز الطبيعي المسال وما يربو على ثلث الاستهلاك العالمي، ويعمل معظم منتجي الغاز الطبيعي المسال الرئيسيين بكامل طاقتهم أو قريبا منها، وخصصوا غالبية شحناتهم لعملاء محددين مما يترك فرصة ضئيلة لإصلاح الوضع في الأجل القصير. وبحسب الإحصاءات فمن المتوقع توافر 8.9 مليون طن سنويا فقط من إجمالي 139.1 مليون طن سنويا من طاقة التسييل الجديدة المزمعة للسنة الحالية!!!

خامسا": تأخرت السعة الإضافية لتخزين الغاز بسبب قيود التنقلات الرامية للحد من انتشار كوفيد-19 التي أوقفت أو عطلت أعمال البناء والصيانة في العديد من المواقع الرئيسية بما في ذلك إندونيسيا وروسيا خلال العام الماضي وحتى الان لا زالت الوتيرة بطيئة نسبيا" وبالتالي ليست لديه القدرة لاجتراح حلول جذرية من هذا المضمار.

من الواضح بعد كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان روسيا ترغب في تحولات في السوق وليس فقط في أسعاره بل بكل توازناته بمعنى ليس الهدف رفع الأسعار لانه قد يضرها على المدى الطويل انما لخلق شراكة استراتيجية بفعل العوامل الجيو-سياسية بين الروس والأوروبيين عبر بوابة مشروع السيل الشمالي. لذا نرى انه ربما يجد المشترون عالميا" صعوبات في شراء ما يكفي من الغاز من أجل إعادة تخزينه واستخدامه في الأسابيع القادمة. ان التوقعات تشير للمدى البعيد إلى شتاء معتدل في أغلب أنحاء آسيا هذا العام2021/2022، لكن الأسواق تخشى أن تكرارا لموجة البرد التي حدثت في 2020-2021 ربما يؤدي إلى فورة شراء مماثلة لتلك التي حدثت في يناير/ كانون الثاني المنصرم وأدت إلى زيادة الأسعار بشكل فوري وسريع.

وللتذكير لقد علق سيتي بنك مؤخرا" في مذكرة لعملائه قائلا" (على النقيض. لن يكون مفاجئا إذا جرى تداول بعض شحنات الغاز أو الغاز الطبيعي المسال في حدود 100 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية أو في حدود 580 دولارا للبرميل من المكافئ النفطي وذلك بناء على متابعة ارتفاع الأسعار في سوق الغاز الأمريكية خلال العشر سنوات الماضية على سبيل المثال)؟!!! فهل تصدق تنبئت سيتي بنك ويحلق الغاز واسعاره عاليا" في قابل الأيام.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".