بعد الفضائح: الأزمة مستمرة والآتي أعظم!
شباط 25, 2021

د. وائل نجم
بات من الواضح أنّ الأزمات المركّبة التي يعيشها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحيّة وحتى ربما الأمنية كادت أن تصل إلى حائط مسدود. فلا الأزمة الصحيّة عرفت طريقها للحلّ على الرغم من الإجراءات الوقائية "الفوضوية" التي اتخذتها الجهات المعنيّة. ولا الأزمة الاجتماعية التي تتفاقم بتقاقم الأزمتين الاقتصادية والصحيّة تراجعت، بل على العكس نتابع ونقرأ عن حالات سلبية جديدة في الوسط الاجتماعي تعكس عمق الأزمة وتمدّدها واتصالها بالأزمتين الاقتصادية والصحيّة. ولا الأزمة الاقتصادية التي تضغط على اللبنانيين وجدت طرقها للحلّ مع طبقة لا همّ لها ولا شأن سوى مصالحها الخاصة والضيّقة والآنية، وفي ظل توقف أي دعم خارجي للبنان في الاشتراطات التي تضعها الجهات الداعمة أو المانحة ولا يلبّيها لبنان. ولا الأزمة السياسية التي تُعتبر مفتاح الحل لباقي الأزمات وجدت طريقها لإقناع الطبقة السياسية بضرورة التنازل والتراجع عن الشخصانية والفئوية ومنطق المحاصصة والاستفراد والاحتكار والاستقواء بالخارج. لكلّ ذلك يمكن القول إنّ الأزمة، وللأسف، مستمرة وتتفاقم يوماً بعد يوم في كل هذا الكمّ من الأزمات وغياب الحلول. بل الأخطر من ذلك يمكن القول إنّ الأزمة مستمرة وتنذر بما هو أصعب وأعقد وأعظم إلاّ إذا.
إلاّ إذا قدّم المعنيون بالشأن السياسي في لبنان، وعلى وجه التحديد الطبقة السياسية المتحكّمة، مصلحة لبنان الوطنية والعليا على مصالحهم الخاصة والضيّقة والفئوية، وخرجوا من منطق التفكير بالمكاسب الخاصة والحزبية والطائفية والمذهبية لصالح المكسب الوطني العام لكل اللبنانيين. ولا يبدو حتى الآن أنّ هذه الطبقة المعنيّة بالحل قد نضج لديها الخطر المحدق بالبلد، واستشعار تقديم المصلحة الوطني على ما سواها من مصالح ضيّقة أو مشاريع خارجية.
إلاّ إذا قامت الدول التي تدّعي أنّها مهتمّة بلبنان وتريد إخراجه من أزماته بخطوة فعلية حقيقية تخرج البلد من الأزمة، ويكون ذلك ابتداءً من عدم العودة إلى تعويم الطبقة السياسية المسؤولة عن كل شيء، وهو ما حصل بالفعل مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي زار لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، وأعاد من خلال مواقفه تعويم الطبقة السياسية التي عادت إلى ممارسة سياساتها دون أي اكتراث. ولكن تلك الدول التي نتحدث عنها، وتقول هي عن نفسها إنّها تريد إنقاذ لبنان، لا تهتم في الحقيقة إلاّ إلى مصالحها، ولا تقترب أو تبتعد من الشأن اللبناني إلاّ بمقدار ما يمثّل لها من مصلحة حيوية أو ساحة مواجهة مع أطراف أخرى، أو صندوقة بريد لتحقيق غايات معيّنة، وبالتالي لا يمكن التعويل في هذا السياق لا على مبادرة فرنسية ولا على مفاوضات إقليمية أو دولية، ولا على أي شيء من هذا القبيل.
إلاّ إذا أخذ اللبنانيون المبادرة بأيديهم، تماماً كما فعلوا في انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول 2019. يوم تخلّى الناس عن سياسّيهم وأحزابهم وطوائفهم ومذاهبهم وانخرطوا في حراك شعبي سلمي حضاري كان أن يؤسّس لولادة جديدة للبنان تضع المواطن في رأس الاهتمامات. تبني دولة مؤسسات وحقوق وقانون، وليس دولة مافيا كما تابعنا في مسألة توزيع لقاح الكورونا وقد كان آخر فصل من فصول ومظاهر الفساد المستشري في البلد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، وبعد أن وصلت الأمور إلى هذا الأفق المسدود، وبعد أن بلغت الأمور ما بلغت من التعقيد والمخاطر، هل يفعلها اللبنانيون مرّة جديدة أو أخرى؟ هل يندفعون في حراك شعبي خارج الأسوار والمربعات كلها، الداخلية والخارجية، لتحقيق تطلعاتهم بالعيش الكريم وبناء دولة الإنسان المواطن؟
الحقيقة ليس هناك أي شيء مستحيل. من كان يقول إنّ الناس عشية 17 تشرين كان يمكن لها أن تتحرك خارج الأسوار التي قيّدها بها أولئك المتحكّمون بكل شيء؟! من كان يقول إنّ الناس يمكن أن تشكّل تهديداً حقيقياً لتلك الطبقة التي راحت تزايد يومها على مطالب الناس المحقّة. المسألة تحتاج إلى قرار داخلي في أعماق كلّ إنسان. هلى يريد أن يستمر الوضع على حاله وبالتالي ينذر بما هو أعظم؟ هل يريد أن ينهار الهيكل على رؤوس الجميع وبعد ذلك لن يسلم أحدّ على الإطلاق؟! أم تراه يريد أن ينقذ ما تبقّى من هذا الوطن والإنسان الذي يعيش فيه؟ إنّها لحظة حقيقية مفصلية فإمّا أن نستدرك ما فات بخطوات تحفظ ما بقي، وإمّا فإنّ ما هو آت سيكون أكثر صعوبة وكلفة على الجميع، إلا تلك الطبقة التي يبدو أنّها تعيش على سطح المريخ.