بماذا عاد بايدن؟
تموز 18, 2022

سامح راشد

قبل انعقاد القمة العربية الأميركية التي استضافتها السعودية أول من أمس، كان واضحاً أن الدول العربية في حالة "تحفّز" وربما "استنفار" ترقباً لما سيحمله الرئيس الأميركي جو بايدن في جعبته وهو يزور المنطقة، فما إن جلس قادة الدول العشر وزعماؤها إلى مائدة الاجتماع، حتى تلقى منهم بايدن كلمات قوية ورسائل واضحة وجديدة على العلاقات العربية الأميركية. والسبب ببساطة أن الدول العربية باتت تنظر إلى واشنطن على أنها إمبراطور عجوز لم يعد قادراً على قيادة العالم ولا فرض سطوته على الجميع كما كان في أوقات سابقة. وفي الوقت ذاته، الدول العربية المشاركة في القمة، وهي تقريباً كل الدول المفتاحية على المستوى العربي، أصبحت تمتلك قدراً عالياً من الثقة والدوافع نحو التحرّك الذاتي المستقل، فردياً وجماعياً، من أجل تحقيق مصالحها ومواجهة تهديداتها. بعد أن خاب أملها كثيراً بسبب تجارب غير ناجحة ومحاولات فاشلة، لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية لشعوبها بالاعتماد على وعود الولايات المتحدة ومواقفها الكلامية.

وكان واضحاً من كلمات القادة العرب الحرص على إبلاغ واشنطن بالمطالب والمواقف العربية في كل القضايا الإقليمية بل والداخلية أيضاً، كما لو أنها وجدت في القمة فرصة لإعلان الاستياء وسرد قائمة طويلة بأخطاء السياسة الأميركية وخطاياها في المنطقة. ويلاحظ أن قادة سبع دول عربية ألقوا كلمات، فيما امتنع عن الحديث أمام القمة كل من رئيس الإمارات محمد بن زايد والممثل الخاص لسلطان عُمان طارق بن سعيد. ولهذا الامتناع أيضاً مغزى مهم وعميق الدلالة بالنسبة لمواقف أبوظبي ومسقط، ليس فقط بشأن القمة، وإنما أيضاً تجاه التحرّكات والمشاورات الجارية بشأن الترتيبات الإقليمية وإدارة القضايا والعلاقات بين دول المنطقة. ويمكن فهم بعض أبعاد الموقفين الإماراتي والعُماني، بالنظر إلى خصوصية علاقات سلطنة عُمان مع إيران ووثوقيتها، وكذلك في ضوء البادي على السياسة الإماراتية من تمايز، وربما تباين، عن التوجهات والسياسات السعودية.

أمام هذه المواقف العربية الواضحة علناً أو ضمناً، كيف كان رد الفعل الأميركي؟ وبعبارة أكثر دقة، ماذا قدّم الرئيس الأميركي للخليج والعرب في القمة؟ الإجابة: لا شيء.. نعم لا شيء إطلاقاً. فقط الكلام العام نفسه، والخطاب التطميني المكرّر عن الشراكة الاستراتيجية والمسؤولية الأميركية في حماية المنطقة وضمان استقرارها. والاكتفاء بالترحيب بالتطورات الإيجابية التي قامت بها دول المنطقة بنفسها، مثل الهدنة في اليمن والتعاون التنموي واتفاقات الربط الكهربائي. وذلك كله من دون تبني خطة أو خطوة تنفيذية واحدة لتطوير تلك التحرّكات العربية الذاتية. فضلاً، بالطبع، عن تجاهل القضية الأهم والأبرز، والتي يؤكد العرب، منذ عقود، أنها مفتاح الاستقرار والاضطراب في المنطقة، وهي القضية الفلسطينية. وقد شدّدت كلمات المشاركين في قمة جدّة، من دون استثناء، على ارتهان مستقبل المنطقة وإمكانية نجاح أية مخططات أو ترتيبات للتعاون والسلام بحل تلك القضية، غير أن المواقف الأميركية لا تشير إلى أي تغيير منتظر في هذا الاتجاه، خصوصاً أن بايدن ذهب إلى جدة قادماً من إسرائيل والضفة الغربية، بعد أن اطمأن إلى أن "لدى إسرائيل من القدرات ما يكفل لها الحماية والأمن". ووجّه، كالمعتاد، رسائل طمأنة كلامية إلى الفلسطينيين.

أما النتيجة الوحيدة المؤكّدة لقمة جدة، فهي رفع السعودية حجم إنتاجها النفطي إلى ثلاثة عشر مليون برميل يومياً، وهي نتيجة مهمة وأساسية، لكنها لم تكن كل المطلوب أميركياً. وفي المقابل، خصّصت واشنطن لدول المنطقة مليار دولار لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء الناجم عن أزمة أوكرانيا. عدا هذا، لم يحصل العرب من واشنطن على شيء، وهو بالفعل ما استشرفته كلماتهم في القمة، كأنهم توقعوا أن بايدن جاءهم بأيادٍ فارغة.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".