"بوعزيزي" لبنان والثورة المنتظرة.
شباط 12, 2019

وائل نجم.

أقدم المواطن اللبناني جورج زريق، يوم الجمعة (8 فبراير/ شباط 2019)، في بلدة بكفتين، على إحراق نفسه حتى الموت أمام مدرسةٍ، لأن إدارتها، بحسب ما تمّ تداوله، رفضت إعطاءه إفادة تخوّله نقل ابنته من المدرسة إلى مدرسة أخرى، بذريعة أن أقساطاً متأخرة عليه تجاه المدرسة لم يدفعها. ولأن جورج، كغيره من آلاف اللبنانيين، لا يجدون قوت يومهم، ويعانون من البطالة وسوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ضاقت به الدنيا، فأشعل جسده بالبنزين، احتجاجاً على هذا الواقع المزري، ونظراً لانعدام الإحساس عند المؤسسات المعنية في الدولة.

ربما أراد جورج التخلّص من هذا الواقع، ومن هذه المعاناة والمأساة التي يعيشها آلاف اللبنانيين أمام المدارس والجامعات والمستشفيات والصيدليات والمصارف وغيرها، ولا يملكون حيلةً للدفاع عن أنفسهم من أجل البقاء والعيش بكرامة. ربما أراد أن يشعل، في لحظة التخلّي تلك، وفي عملية إحراق جسده ثورةَ شعبية حقيقية، تبدأ بتغيير هذا الواقع المأساوي والمنكوب الذي يعيشه اللبناني. ربما أراد جورج أن يكون "بوعزيزي" لبنان، بتخطيط منه أو بعفوية، والأرجح أن المسألة كانت عفوية، وحالة تعبير عن رفض الواقع الذي لم يترك أية ذرّة كرامة للمواطن اللبناني كي يعيش فيها، أكثر مما كان تخلّيا عن المسؤولية الأبوية كما حاول ويحاول بعض ممن يركن إلى السلطة أن يروّج.

تشبه حالات كثيرة في لبنان، في معاناتها، المعاناة التي عاشها جورج زريق. أقدم أحد المياومين (العامل بأجر يومي) في مؤسسة الكهرباء، قبل شهور، على إحراق نفسه أمام المؤسسة، لأنه لم يتقاض البدل المالي عن أيام عمله، ولم يتم تثبيته عاملا يتقاضى راتباً شهرياً، أطفأه زملاؤه، الذين كانوا يشاركونه الاحتجاج، ونقلوه إلى المستشفى. وقبل أسابيع، عرض أحد الآباء أحد أبنائه للبيع، لأنه لم يعد قادراً على القيام بواجبات الأبوة تجاهه، من إطعام وطبابة وتعليم. وشهد لبنان في الشهور القليلة الماضية عدة مآسٍ، عندما أقدم أبٌ على قتل أبنائه، ثم الانتحار. وعندما قتل أحدهم زوجته بالنظر إلى الأوضاع التي يعيشها، وهكذا هو المسلسل اليومي الذي نقرأ عنه كل يوم في الصحف اللبنانية.

جرت تحركاتٌ من مجموعات تنتمي إلى الحراك المجتمعي المدني، تحتج على الوضع السيئ الذي يعيشه البلد على المستويين، المعيشي والاقتصادي، أو على مظاهر الفساد التي تجتاح الإدارة اللبنانية وحتى القوى السياسية. ومنه احتجاج على جبال النفايات التي تراكمت في أكثر من منطقة، واحتجاجات على الانقطاع المزمن للكهرباء والمياه، وعلى البطالة والتضخم، وعلى الكثير مما لا يعدّ. وللأسف الشديد، كانت كل تلك الاحتجاجات صرخةً في واد. لم تكترث لها السلطة السياسية، أو القوى المتحكّمة بناصية القرار اللبناني، بل أكثر من ذلك عملت على تفخيخها من الداخل، ووضعتها موضع الشكّ في نظر أغلبية اللبنانيين.

هل يتحوّل جورج زريق إلى "بوعزيزي" لبنان، ويشعل ثورة حقيقية ضد كل مظاهر الفساد في البلد، بدءاً من المحاصصة الطائفية والمذهبية والسياسية التي طغت على تشكيل الحكومة، وعلى كل ما يجري في الإدارات العامة ومؤسسات الدولة من تعيينات وأعمال؟ أم تُرى تمرّ الحادثة المأساوية مرور الكرام؟

منذ اللحظة الأولى لوقوع حادثة الإحراق، تطوع وزير التربية بتعليم أبناء جورج، وانبرى وزيرٌ آخر، وتطوّع بكفالة العائلة. وهكذا تجري الأمور في محاولةٍ للالتفاف على هذا الاعتراض، وحتى لا يتحوّل في لحظةٍ إلى فتيلٍ يشعل ثورة شعبية حقيقية في لبنان، تسقط كل رموز الفساد. ولكن الحقيقة أن هذا النظام الطائفي المذهبي عصيٌّ على الثورات، وعلى الإسقاط، فهو متجذّر في النفوس قبل النصوص. إنه قائمٌ على المحاصصة بين المكونات الطائفية والمذهبية، والتي تتخذ صورا وأشكالاً سياسية، تقدّم فيها القوى والشخصيات السياسية نفسها ممثلةً للمكوّن الطائفي والمذهبي في النظام السياسي. وبالتالي، يمكن أن تطاول أي مسألة هذه القوة السياسية أو الشخصية التي قدّمت نفسها ممثلة لمكوّنها الطائفي والمذهبي في النظام السياسي يُعدّ نوعاً من الاعتداء على صلاحيات المكوّن الطائفي والمذهبي كله في النظام، وبالتالي تتحوّل القضية من قضية معالجة خللٍ أو فسادٍ في أيٍّ من مواقع الإدارة أو السلطة، إلا مواجهةً مع مكوّن شريك في الوطن. وهذا وحده كفيلٌ بإحباط كل مساعي الإصلاح الحقيقي ومحاولاته لإنهاء مظاهر الفساد وبناء الدولة الرشيدة، دولة العدالة والقانون والمؤسسات. لذا سيسجلّ الجميع تضامنه مع جورج زريق وعائلته المنكوبة، وسيبقى لبنان ينتظر الثورة الحقيقية التي تخلّصه من آفات الفساد والإقطاع السياسي، المتحكّم برقاب اللبنانيين، ويُعمل على تعميمه في المنطقة.

المصدر: العربي الجديد.