بين الوجود.. وإثبات الوجود.
تموز 30, 2019

طارق ترشيشي.

يختصر قطبٌ سياسيّ كبير المشهدَ السياسيّ السائد حالياً بفعل حادثة قبرشمون ومضاعفاتها المُستمِرّة بالقول إنها «معركةُ وجود تقابلها معركةُ إثبات وجود».

يشرح القطب هذا التوصيف بالقول إنّ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يخوض «معركة وجود»، وفي المقابل يخوض رئيس «الحزب الديموقراطي اللبناني» النائب طلال ارسلان «معركة إثبات وجود». ولذلك فإنّ الأزمة تبدو مستحكمة وأبرز مضاعفاتها السياسية خطورة حتى الآن تعطيل جلسات مجلس الوزراء بفعل الخلاف على موضوع إحالة حادثة قبرشمون الى المجلس العدلي التي يطالب بها ارسلان وحلفاؤه، فيما يعارضها جنبلاط وحلفاؤه الذين لا يمانعون هذه الإحالة إذا اقترنت بإحالة حادثة الشويفات الى المجلس العدلي في الوقت نفسه، وهي مبادرةٌ طرحها جنبلاط وأيّدها رئيس مجلس النواب نبيه بري ونصح المعنيين باعتمادها، ولكن لم يُكتب لها النور بعد.

على أنّ التردد في موقف بعض المراجع المسؤولة، حسب القطب نفسه، هو ما يعوق حسم المسار القضائي لحادثة قبرشمون، فتارة تميل غالبية الأفرقاء الى الإحالة للمجلس العدلي، وطوراً تتراجع الى خيار إحالتها للمحكمة العسكرية، وهذا الواقع هو ما دفع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله الى إعلان مواقف حاسمة في طلته الإعلامية الاخيرة بتأييد موقف حليفه ارسلان المتمسِّك بإحالة الحادثة الى المجلس العدلي، وحديثه عن وجود قاتل ومقتول في الحادثة، وقيل إنّ كلام نصرالله أُريد منه شدّ أزر بعض المترددين في الموقف وعلى رأس هؤلاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أيّد بداية الإحالة الى المجلس العدلي ثم تراجع الى المطالبة بتولّي المحكمة العسكرية هذه القضية قبل أن يعود مجدداً الى توجّهه الأول والذي تمسّك به أكثر بعيداً من أيّ تردد بعد إطلالة نصرالله الإعلامية الاخيرة. علماً أنّ رئيس مجلس النواب كان هو مَن اقترح أن تُحال القضية الى المحكمة العسكرية حتى إذا تبيّن لها أنّ الأمر يستدعي إحالتها الى المجلس العدلي يكون ذلك.

ولكن الى الآن لا شيءَ يوحي أنّ حادثة قبرشمون وشظاياها التي تناثرت في اتّجاهاتٍ عدة هدّدت الحكومة بأكثر من تعطيل جلسات مجلس الوزراء وامتعاض رئيسها سعد الحريري الذي يرغب الفصل بينها وبين العمل الحكومي، بحيث توضع الحادثة على سكة المعالجة القضائية سواءٌ كانت المحكمة العسكرية أو المجلس العدلي، فيما تعاود الحكومة اجتماعاتها وتتابع شؤون الناس وقضاياهم، خصوصاً في هذه المرحلة البالغة الخطورة والتعقيد على المستويَين الإقتصادي والمالي.

وخلافاً للاعتقاد السائد، ورغم امتعاضه، فإنّ الحريري، وحسب بعض أصدقائه، ليس في وارد الاستقالة مهما بلغت درجة امتعاضه أو الإحراجات التي يشعر بها، مستنداً الى مسلمة مفادها أنّ نتائج الإجتماع الأخير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مع رؤساء الحكومة السابقين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام صبّت في مصلحته حيث كان تشديدٌ على وجوب دعمه في مواجهة أيّ محاولة للإعتداء على صلاحياته الدستورية كرئيس للحكومة ولمجلس الوزراء. ولم يؤتَ في هذا اللقاء على ذكر تغيير شخص شاغل هذا الموقع الدستوري في هذه المرحلة، علماً أنّ ما يرشح من الأوساط الحكومية أنّ الحريري ليس في وارد الإستقالة، بل إنّ كل أدائه يؤكد أنه باق في موقعه الى الانتخابات المقبلة في ربيع 2022، وانّ علاقاته برئيس الجمهورية وكذلك مع رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل تترسخ أكثر فأكثر، وكذلك التعاون في مختلف المجالات.

المصدر: الجمهورية.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".